شرح الإيمان المسيحي
للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان
مقدمة
1 ـ نقرأ في كتاب الملوك أن ملكة الجنوب قد أتت لتسمع حكمة سليمان[1] ونقرأ أن الملك حيرام أرسل إلى الملك سليمان ليختبره[2]، وهكذا فإن جلالتك المقدس إذ قد تتبَّعت هذه الأمثلة القديمة، فقد قررت أن تسمع مني الاعتراف بالإيمان. ولكني لست سليمان حتى تتعجب من حكمتي، كما أن جلالتكم أوغسطس وحاكم العالم كله، والذي طلب مني القيام بوضع (بنود) الإيمان فى كتاب، وهذا ليس بقصد تعليم فخامتكم ، ولكن لكى ينال الكتاب موافقتكم.
2 ـ فلأي سبب أيها الإمبراطور أوغسطس تتوجه جلالتكم لتتعلم الإيمان، هذا الذي منذ طفولتكم المبكرة قد حفظتموه بتقوى وبمحبة؟ كما يقول الكتاب: ” قبلما صوَّرتك فى البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك” (إر5:1). فالتقديس إذن لا يأتي من التقليد ولكن من عمل الروح، لذلك اسهر على مواهب الله وحافظ عليها، هذه التي وإن لم يُعلِّمك إياها أحد من الناس، ولكن بالتأكيد فإن الله هو الذي منحك وألهمك إياها..
3 ـ إن جلالتك المقدس، وأنتم قاصدون الذهاب إلى الحرب تطلبون منى كتابًا لأفسّر وأشرح فيه الإيمان، وأنتم تعلمون أن إحراز الانتصارات إنما يكون بالإيمان بالقائد، أكثر من شجاعة الجنود. إن إبراهيم دخل المعركة ومعه 318 رجلاً[3]، واسترد الغنائم من الأعداء الكثيرين، وبقوة تلك التى هى كانت إشارة إلى صليب مخلصنا واسمه[4]، قَهَر قوة خمسة ملوك مع جيوشهم، فإنه انتقم لجيرانه ونال النصرة وفدى ابن أخيه (أى لوط).
وبالمثل فإن يشوع بن نون عندما لم يستطع أن يتغلب على العدو بقوة كل جيشه[5]، فإنه انتصر بصوت سبعة أبواق مقدسة فى المكان الذي أبصر فيه وتعرَّف على رئيس جند السماء[6]. فجلالتكم الآن تُعدُّون للانتصار إذ أنك أنت خادم المسيح المخلص، والمدافع عن الإيمان الذي تطلب مني جلالتكم أن أقدمه لكم مكتوبًا فى كتاب.
4 ـ وحقيقةً سوف آخذ على عاتقى واجب الوعظ للمحافظة على الإيمان أكثر من أسلوب الجدل حول الإيمان.. لأن الأسلوب الأول (الوعظ) يعنى الاعتراف بالإيمان بتقوى وورع، بينا الأسلوب الثانى (الجدل) يكون عرضة إلى افتراضات طائشة متهورة. ونظرًا لأن جلالتكم لستم فى حاجة إلى وعظ، فإنى لا أطلب الاعتذار عن واجب الولاء لكم (بالكتابة)، بل سوف آخذ على عاتقى القيام بعمل جرئ، ولكنه في نفس الوقت معتدل وبسيط، لا يعتمد كثيرًا على العقل والجدال بخصوص الإيمان، بقدر ما يعتمد على جمع عددًا كبيرًا من الشواهد معًا[7].
5 ـ وكذلك من خلال أعمال المجامع المسكونية، فسوف أجعل أحدها هو دليلي الأساسي، وهو الذي قرَّره الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا[8]، الذين هم على مثال الذين خرجوا مع إبراهيم (للحرب)، ليكون قرارهم (إن جاز القول) نصب يُقام لإعلان انتصارهم على الكفر[9] فى كل العالم، هذا الانتصار الذى ساد بسبب قوة الإيمان الذي اتفق عليه الجميع، وحقًا كما يبدو لي ، فإنه يمكن للمرء أن يرى يد الله فى هذا، نظرًا لأن العدد الذي كان له سلطة القرار فى مجمعنا بخصوص الإيمان، هو نفسه كان مثالاً للولاء فى السجلات القديمة (يقصد سفر التكوين بخصوص إبراهيم).
الفصل الأول
ملخص:
يُميِّز الكاتب بين الإيمان وبين أخطاء الوثنيين واليهود، وبعد أن يشرح مغزى الأسماء: الله فى الآب، فإنه يبين بوضوح الفرق بين الأقانيم Persons في وحدة الجوهر. إن الآريوسيين بتقسيمهم للجوهر، لا يدخلون فقط الاعتقاد بثلاثة آلهة ، بل يُسقطون أيضًا ربوبية الثالوث.
6 ـ وهذا هو بيان وإقرار إيماننا، نحن نقول إن الله واحد، ونحن لا نفصل ابنه عنه كما يفعل الوثنيون[10]؛ ولا ننكر ـ كما يفعل اليهود، أن الابن مولود من الآب قبل كل الدهور، وبعد ذلك وُلد من العذراء، كما أننا لسنا مثل سابيليوس[11] الذي خلط الآب مع الكلمة وبهذا يؤكد ويدافع عن أن الآب والابن هما ذات ونفس الشخص. وأيضًا ليس كما فعل فوتينوس[12] Photinus الذى يتمسك بأن الابن بدأ وجوده في بطن العذراء.
ولا نعتقد مع آريوس[13] فى وجود سلطات متعددة، وبهذا فهو مثل الوثنيين ـ الذين يعيشون في الجهل والظلام ـ وهكذا يكون عند آريوس أكثر من إله واحد. أما الوحي فيقول: ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد”.
7 ـ إن إله ورب هما اسم للجلالة (الإلهية)، اسم للقوة، كما يقول الله نفسه: ” يهوه…، هذا اسمي” (خر15:3)، وكما يعلن النبي في موضع آخر: ” أنا الرب، هذا اسمي” (إش8:42). لذلك فالله يكون “هو”، كما أنه الرب، وهذا إما بسبب أن سلطانه هو على الكل، أو لأن هو ضابط كل الأشياء، والجميع يخشونه بلا استثناء.
8 ـ إذن ، إن كان الله واحدًا، فواحد هو الاسم، وواحدة هي القوة التى للثالوث. والمسيح نفسه قال بحق: ” اذهبوا عمّدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28). لاحظ أنه يقول باسم وليس بأسماء .
9 ـ وأكثر من هذا ، فإن المسيح نفسه يقول: ” أنا والآب (نحن معًا) واحد”، وهو يقول واحد حتى لا يكون هناك انفصال في القوة والطبيعة، ولكن لاحظ مرة أخرى أنه يقول: “نحن” (يقصد الآب والابن)، حتى يمكنك أن تتعرف على وجود الآب والابن نظرًا لأننا نؤمن أن الآب الكامل قد ولد الابن الكامل، وأن الآب والابن هما واحد، وليس باختلاط الأشخاص ولكن بوحدانية الطبيعة.
10 ـ لذلك نحن نقول إنه يوجد إله واحد وليس إلهان أو ثلاثة. لأنه من الخطأ القول بوجود ثلاثة آلهة لأن هذا ما وقعت فيه هرطقة الآريوسيين الكفرة، عديمة التقوى، بما فيها من تجاديف، وبهذا فإنها تقسّم ألوهية الثالوث، بينما في قول الرب: ” اذهبوا عمّدوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” يُوضِّح أن الثالوث هو قوة واحدة. نحن نعترف بالآب والابن والروح، وبذلك نفهم كمال ملء الألوهية وكمال وحدة القوة، فى ثالوث كامل.
11 ـ يقول الرب: ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب سريعًا”. إن مملكة الثالوث لا تنقسم، فإن كانت غير منقسمة فهى واحدة، لأن ما ليس هو واحد فهو منقسم، أما الآريوسيون فيريدون أن تكون مملكة الثالوث من النوع الذى يخرب بسهولة، بأن يجعلوها تنقسم على نفسها. ولكن إذ نحن نرى بالحق أنها لا يمكن أن تخرب ، فمن الواضح أنها غير منقسمة. لأنه لا توجد وحدانية تنقسم أو تنشطر إلى نصفين، لذلك فلا الزمن ولا الفناء يقوى عليها.
الفصل الثاني :
ملخَّص:
يحضّ الإمبراطور ليظهر غيرة على الإيمان، إن ألوهية المسيح الكاملة تتضح من خلال وحدة الإرادة والعمل اللذين له مع الآب. إن صفات الألوهية يُبيَّن أنها خاصة بالمسيح ولائقة به، وهو الذى تبرهن ألقابه المختلفة على وحدته الجوهرية (مع الآب) مع تمايز الأشخاص ولا يمكن أن يحافظ على وحدانية الله بأية طريقة أخرى.
12ـ يقول الكتاب: ” ليس كل مَن يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السموات” (مت21:7). فالإيمان إذن أيها الإمبراطور الجليل لا يجب أن يكون مجرد عمل نؤديه، لأنه مكتوب: ” غيرة بيتك أكلتني “[14]. دعنا إذن بروح مؤمنة مخلصة، نصلي ليسوع الرب، دعنا نؤمن أنه إله، وغايتنا من هذا هي أن كل ما نسأله من الآب باسمه يعطينا[15]، لأن هذه هي مشيئة الآب أن التوسل إليه يكون عن طريق الابن، الابن الذي به نتوسل إلى الآب[16].
13ـ إن نعمة طاعته تناسب وتوافق تعليمنا، وأعمال قوته تتوافق أيضًا مع هذا التعليم. لأن مهما كانت الأشياء التي يعملها الآب، فهى نفسها التى يعملها الابن كذلك[17]. إن الابن يعمل نفس الأشياء، ويعمل بطريقة مماثلة، ولكن الابن يعمل بحسب مشيئة الآب في الشئ الذى يريد أن يفعله حتى يمكنك أن تفهم، ليس أنه لا يمكنه أن يعمل بطريقة أخرى، بل يمكنك أن تفهم أن هناك قوة واحدة تظهر للعيان. إذن فينبغي أن يكرّم ابن الله ويُعبد حقيقة، الذى بقوة لاهوته قد وضع أساسات العالم وبطاعته هذب مشاعرنا[18].
14ـ لذلك يجب أن نؤمن أن الله صالح، أبدى، كامل، كُلَّى القدرة، وحق مثلما يظهر لنا من خلال الناموس والأنبياء وبقية الكتب المقدسة، وبخلاف ذلك لا يوجد إله[19]. لأن الذي هو إله لا يمكن أن يكون إلاّ صالحًا، لأننا نرى أن كمال الصلاح هو من طبيعة الله[20]. كما أنه لا يمكن لله الذى خلق الزمن أن يكون زمنيًا (خاضعًا للزمن) ، وأيضًا لا يمكن أن يكون الله غير كامل، فواضح أن أي كائن أدنى هو غير كامل، إذ نرى أنه ينقصه شئ يمكنه به أن يصير مساويًا لمن هو أعظم منه. هذا إذن هو تعليم إيماننا، وهو أن الله صالح، وأنه لا يوجد شئ مستحيل عند الله، وأن الله لم يوجد في الزمن، وأن الله أعلا من كل الكائنات. وإن كنت على خطأ، فدع خصومي يبرهنون على خطأي.
15ـ إذن، فإذ نرى أن المسيح هو الله، فتبعًا لذلك فهو صالح وكُلِّي القدرة وأبدى وكامل وحق ، لأن هذه الخاصيات تخص الطبيعة الجوهرية للألوهية. دع خصومنا ينكرون الطبيعة الإلهية التي في المسيح، وإلاّ فإنه لا يمكنهم أن يرفضوا بالنسبة لله، ما هو خاص بالطبيعة الإلهية ولائق بها.
16ـ علاوة على ذلك، وحتى لا يقع أحد في خطأ، ليت الإنسان يصغي لتلك العلامات التي أعطتها لنا الكتب المقدسة، والتي يمكننا بها أن نعرف الابن. إنه يُسّمى الكلمة والابن وقوة الله وحكمة الله[21]. فهو الكلمة لأنه بلا لوم، وهو القوة لأنه كامل، وهو الابن لأنه مولود من الآب، وهو الحكمة لأنه واحد مع الآب، واحد في الأبدية، واحد في الألوهية.
ليس أن الآب شخص واحد مع الابن، فبين الآب والابن يوجد تمايز واضح، ناتج عن الولادة[22]. هكذا المسيح هو إله من إله، أبدي دائم من أبدي دائم، الملء من الملء[23].
17ـ والآن فإن هذه ليست هي مجرد أسماء، إنما علامات قوة تُعلن نفسها من خلال الأعمال، لأنه بينما يوجد ملء الألوهية في الآب، فإنه يوجد أيضًا ملء الألوهية في الابن، ليسا مختلفين، بل هما واحد. إن اللاهوت ليس شيئًا به اختلاط، إذ أنه وحدة، وليس متعددًا (في الجوهر)، لأنه لا اختلاف في الجوهر.
18ـ وعلاوة على ذلك، إن كان قد كُتب بخصوص جميع الذين آمنوا أنه كان لهم نفس واحدة وقلب واحد[24]، “وإن كان كل واحد يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا” (1كو17:6) كما يقول الرسول، وإن كان الرجل وزوجته يكونان جسدًا واحدًا[25]، وإن كنا نحن جميعنا البشر المائتين بحسب طبيعتنا المشتركة نكون من جوهر واحد. وإن كان هذا هو ما يقوله الكتاب المقدس بخصوص الإنسان المخلوق، إنه وإن كان متعددًا لكنه واحد[26]، وهو الذي لا يمكن أن يُقارن بالأقانيم الإلهية، فكم بالحرى يكون الآب والابن واحدًا في الألوهية، وهما اللذان لا يوجد بينهما أي اختلاف في الجوهر أو المشيئة !
19ـ لأنه بأى كيفية أخرى يمكننا أن نقول إن الله واحد؟ إن الألوهية تحوي التعدد، ولكن وحدة القدرة تمنع وتُعارض كمية العدد، إذ أننا نرى أن الوحدة ليست عددًا؛ ولكن هي نفسها أصل ومبدأ جميع الأعداد.
الفصل الثالث
ملخَّص:
من الشواهد التي تُجمع من الكتب المقدسة، يمكن البرهنة على وحدانية الآب والابن. وأولاً فإنه تؤخذ آية من كتاب إشعياء وتُقارن مع آيات أخرى وتُفَّسر بطريقة لتبين أنه لا يوجد اختلاف في طبيعة الابن عن طبيعة الآب، إلاّ فيما ما يتعلق بالجسد، ويتبع هذا أن اللاهوت في الأقنومين واحد، وهذا الاستنتاج يُصَّدق عليه بالرجوع إلى سفر باروخ.
20ـ والآن فإن أقوال الأنبياء تشهد أيّة وحدة قوية توضح الكتب المقدسة أنها تقوم بين الآب والابن فيما يخص ألوهيتهما. لأنه هكذا يقول رب الصباؤوت[27]: ” تعب مصر وتجارة الأثيوبيون والسبئيون الرجال الأقوياء يعبرون إليك، ويصيرون عبيدك، وخلفك يتبعون، وهم مربوطون بالقيود ويسجدون أمامك، وإليك يتضرعون لأن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك لأنك أنت الله، ولا نعرف آخر يا إله إسرائيل” (إش14:45).
21ـ اسمع صوت النبي:” إن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك”. كيف يتفق هذا مع تعليم الآريوسيين؟ يجب عليهم أن ينكروا إما ألوهية الآب أو الابن إن لم يؤمنوا ـ مرة واحدة ـ بوحدة نفس الألوهية.
22ـ يقول: ” لأن الله فيك”، لأن الآب في الابن، لأنه مكتوب:” الآب الحال فىَّ هو نفسه يتكلم”، وأيضًا:” الأعمال التى أعملها هو نفسه أيضًا يعملها” (يو10:14)، وأيضًا نقرأ ثانية أن الابن في الآب:” إني أنا في الآب والآب فىَّ” (يو10:14). دع الآريوسيين إن استطاعوا أن يزعزعوا هذه الوحدة التى في الطبيعة وفي العمل.
23ـ لذلك فإنه يوجد إله، وليس إلهان، لأنه مكتوب أنه يوجد إله واحد[28]، ورب في رب[29]، ولكن ليس ربَّان، لأنه بخصوص هذا قد كتب: ” لا تخدم سّيدين (رّبين)” (مت24:6)، ويقول الناموس ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد” (تث4:6)، وكذلك في نفس العهد مكتوب: ” فأمطر الرب من عند الرب” (تك24:19)، وبالمثل يمكنك أن تقرأ في سفر التكوين: ” وقال الله… فعمل الله” (تك6:1و7)، وفي مكان آخر قبل ذلك يقول: ” فخلق الله الإنسان على صورة الله” (تك26:1و27)، إذن ليس هناك إلهان ولكن إله واحد الذي خلق الإنسان. ففي أي وضع كما في الآخر، فإن وحدة العمل والاسم تظل مؤكدة، لأنه بالضرورة عندما نقرأ: ” إله من إله”[30]، فنحن لا نتكلم عن إلهين.
24ـ مرة أخرى، فإنك تقرأ في المزمور الرابع والأربعين[31] كيف أن النبى يدعو ليس فقط الآب إلهًا بل يدعو أيضًا الابن إلهًا، حيث يقول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور” [مز44(45):6]، وعلاوة على ذلك: ” الله (الذي هو) إلهك قد مسحك بزيت البهجة أفضل من رفقائك” [مز44(45):7]. الله هذا هو الذى يَمسَح، والله الذى هو في الجسد والذى يُمسَح هو ابن الله، لأنه أى رفقاء للمسيح في مسحته سوى أولئك الذين صاروا له وهو في الجسد؟ فأنت ترى إذن أن الله يُمسَح بواسطة الله، ولكنه إذ يُمسَح وهو متخذ الطبيعة البشرية فإنه يُكرز به أنه “ابن الله”، إذن أساس الناموس لم ينكسر.
25ـ لذلك أيضًا عندما تقرأ: ” الرب أمطر من عند الرب”، فإنك تُقِرُّ وتعترف بوحدانية الألوهة، لأن الوحدانية في العمل لا تسمح بأكثر من إله واحد قائم بذاته، كما أوضح ذلك الرب نفسه بقوله: ” صدَّقوني أني أنا في الآب والآب فىَّ، وإلاّ فصدقونى بسبب الأعمال نفسها” (يو38:10، 11:14). هنا نرى أيضًا وحدانية الألوهة مُعبَّرًا عنها بوحدانية العمل.
26ـ والرسول وهو يثبت بعناية أنه يوجد لاهوت واحد للآب والابن معًا، وربوبية واحدة ـ حتى لا نندفع نحو أي خطأ، سواء نحو الوثنيين أو عدم تقوى اليهود ـ فإنه يوضِّح لنا القاعدة التي يجب علينا أن نتبعها، فيقول: ” إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو6:8)،
فكما أنه في تسميته يسوع المسيح أنه “رب” فإنه لم ينكر أن الآب أيضًا “رب”، هكذا أيضًا في قوله: ” إله واحد الآب” فإنه لا ينكر ألوهية الابن الحقيقية، وهكذا فإنه يُعلّم ليس أنه يوجد أكثر من إله واحد، بل هو (يُعلَّم أن) مصدر القوة هو واحد، نظرًا لأن الألوهة تتضمن الربوبية، والربوبية تتضمن الألوهة، كما هو مكتوب: ” اعلموا (بتأكيد) أن الرب هو الله، هو صنعنا وليس نحن” (مو3:99س).
27ـ لذلك ” فيك” “الله” بحسب وحدانية الطبيعة، ” ولا يوجد معك آخر” بسبب الملكية الشخصية للجوهر بدون أي تحفظ أو اختلاف[32].
28ـ وأيضًا فإن الكتاب المقدس يتكلم في سفر إرميا عن إله واحد ومع ذلك فهو يعترف بكلا الآب والابن، فنقرأ: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه، لا يعادله آخر، إنه كشف جميع طرق المعرفة وأعطاها ليعقوب عبده وإسرائيل محبوبه. بعد ذلك ظهر على الأرض وتكلم مع الناس”[33].
29ـ النبي يتكلم عن الابن، لأنه هو نفسه الذي تحَّدث مع الناس، وهذا ما يقوله: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه لا يعادله آخر “. لماذا نشك فيه هذا الذي يقول عنه نبي عظيم مثل هذا إنه لا يوجد من يُقَارن به؟ أي مقارنة مع آخر يُمكن أن تعمل عندما يكون الله واحدًا؟ هذا هو اعتراف أناس محفوفين بالمخاطر وهم يحترمون ويُوقِّرون الأمور الدينية، ولذلك فهم غير متمرسين في صراع المجادلات.
30ـ تعالَ أيها الروح القدس وساعد أنبياءك الذين أردت أن تسكن فيهم، الذين نؤمن بهم. هل نؤمن بحكمة هذا العالم إن كنا لا نؤمن بالأنبياء؟ ولكن أين الحكيم، أين الكاتب؟ بينما هذا القروى[34] الذي يزرع التين، قد وجد ما لم يعرفه الفلاسفة، لأن الله قد اختار جُهَّال العالم ليخزى الأقوياء[35]. هل نصّدق اليهود؟ لأن الله عُرف مرة من قبل في اليهودية. لا، إنهم ينكرون نفس الشئ الذي هو أساس إيماننا، فهم كما نرى لا يعرفون الآب إذ هم ينكرون الابن[36].
الفصل الرابع
ملخص:
وحدانية الله يُستدلُّ عليها بالضرورة في نظام الطبيعة، وفي الإيمان وفي المعمودية. إن هدايا المجوس توضح وحدانية الألوهة كما توضح ألوهية المسيح وإنسانيته. إن حقيقة عقيدة الثالوث في الوحدانية تظهر في الملاك الماشي في وسط الأتون في شدرخ وميشخ وعبدنغو.
31ـ إن الطبيعة كلها تشهد على وحدانية الله من حيث إن العالم كله واحد. الإيمان يعلن أنه يوجد إله واحد، إذ أننا نرى اعتقادًا واحدًا في كلا العهدين القديم والجديد، أما عن وجود روح واحد[37] كُلِّى القداسة، فهذا ما تشهد له النعمة، لأنه توجد معمودية واحدة باسم الثالوث. إن الأنبياء يُعلنون، والرسل يسمعون صوت إله واحد.
إن المجوس يؤمنون بإله واحد، وقد أحضروا معهم ـ تعبدًا وإكرامًا ـ ذهبًا ولبانًا ومرًا، وهم ذاهبون إلى مزود المسيح معترفين من خلال الذهب بملوكيته، ومن خلال البخور كانوا يعبدونه كإله، لأن الذهب هو علامة الملوكية، والبخور علامة الألوهة، والمُرّ علامة الدفن.
32ـ ماذا إذًا كان معنى الهدايا السَّرية التي قُدَّمت، في إسطبل البهائم الوضيع، سوى أنه يجب أن نميِّز في المسيح الفرق بين الألوهة والجسد؟ إنه يُنظر إليه كإنسان[38] ولكنه يُعبد كرب. إنه راقد وسط الأقمطة ولكنه يشرق وسط النجوم. إن المهد يكشف ميلاده ولكن الكواكب تبرهن على سلطانه[39]. إنه الجسد هو المُقمّط في الملابس ولكن الألوهة تتقبّل خدمة الملائكة، وبهذا فإن كرامة عظمته الطبيعية لم تُفقد وبهذا يتبرهن اتخاذه للجسد حقًا.
33ـ هذا هو إيماننا، ولقد أراد الله، أنه ينبغى أن يكون معروفًا هكذا من الجميع، وهكذا آمن الثلاثة فتية[40] ولم يشعروا بالنار التي أُلقوا في وسطها، النار التي أهلكت وأحرقت غير المؤمنين[41]، بينما صارت بلا ضرر وكَنَدَى على المؤمنين[42]، الذين صارت النيران التي أشعلت بواسطة الآخرين باردة بالنسبة لهم، لأن الأتون قد فقد قوته تمامًا في المعركة ضد الإيمان فقد كان في وسطهم واحد في شكل ملاك[43] يُعزيهم[44] وذلك بهدف أنه في عدد الثالوث يُقدم التسبيح والتمجيد لقوة واحدة فائقة السمو. لقد تمجد الله، ورأوا ابن الله في ملاك الله، والنعمة المقدسة الروحانية تكلَّمت في الفتية[45].
الفصل الخامس
ملخص:
يذكر التجاديف المختلفة التى نطق بها الآريوسيين ضد المسيح، وقَبل الإجابة عنها، فإنه يحث المستقيمي الرأي (الأرثوذكس) لكي يحترسوا من حجج الفلاسفة المضللة نظرًا لأنهم (أي الفلاسفة) يضعون أملهم في هذه الحجج.
34ـ دعنا نتمعن في معارك الآريوسيين بخصوص ابن الله.
35ـ إنهم يقولون إن ابن الله ليس مثل أبيه، وأن يُقال هذا عن إنسان فهذا يكون إهانة[46] له.
36ـ يقولون إن ابن الله له بداءة في الزمن، بينما هو نفسه مصدر الزمن ومنظمه بكل ما (يوجد) فيه. نحن بشر ولا نريد أن نكون محدودين بالزمن لقد بدأ وجودنا مرة (في الزمن) ونحن نؤمن أنه سوف يكون لنا وجود (بعد ذلك) غير محدد بزمن. نحن نشتاق إلى الخلود فكيف يمكن إذن أن ننكر أزلية ابن الله، الذي أُعلِنَ أنه أزلي بالطبيعة، وليس بالنعمة؟
37ـ إنهم يقولون إنه مخلوق، ولكن هل يُحصَى الصانع مع مصنوعاته وكيف نجعله يبدو وكأنه أحد المصنوعات التي صنعها هو نفسه؟
38ـ إنهم ينكرون صلاحه وتجديفهم هذا هو نفسه الذي يدينهم، لذلك فلا يوجد رجاء لهم للغفران.
39ـ إنهم ينكرون أنه بالحقيقة ابن الله، وينكرون أنه كُلِّي القدرة إذ بينما هم يزعمون أن كل الأشياء قد صُنِعَت عن طريق خدمة الابن، فإنهم ينسبون المصدر الأصلي لوجود هذه الأشياء إلى قوة الله. ولكن ماذا تكون القوة سوى اكتمال الطبيعة[47]؟
40ـ وأكثر من هذا، فإن الآريوسيين ينكرون أن الابن واحد مع الآب في الألوهة[48]. دعهم إذن يلغون الإنجيل، ويُسكتون صوت المسيح. لأن المسيح نفسه قال: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، لستُ أنا الذي أقول هذا، المسيح هو الذي قال. فهل المسيح مخادع حتى يكذب[49]؟ وهل هو آثم حتى يَّدعى لنفسه ما لم يكنه بالمرة. وبخصوص هذه الأمور فنحن سوف نتناولها مرات عديدة، وبإسهاب أكبر في مكانها المناسب.
41ـ وإذ نرى أن الهرطوقى يقول إن المسيح ليس مثل أبيه، ويسعى لتأكيد هذا بقوة الاحتيال والمراوغة، فيجب علينا أن نستشهد بقول الكتاب: ” انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح، فإنه فيه يحلُّ كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو8:2و9).
42ـ لأنهم إنما قد ادخروا كل قوة سمومهم في منازعاتهم الجدلية، والتي بحسب حكم الفلاسفة، ليست لها أي قوة لتقيم أو تؤسس أي شئ كما ينبغي، بل تهدف فقط إلى الهدم، ولكن ليس بالجدال قد سُرّ الله أن يُخلِّص شعبه لأن ” ملكوت الله إنما هو ببساطة الإيمان وليس بإقناع الكلام” (1كو20:4)[50].
الفصل السادس
ملخص:
القديس أمبروسيوس وهو يبرهن على أن المسيح لا يختلف عن الآب، يذكر أسماء القادة الآريوسيين الأكثر شهرة، ويشرح كيف أن شهادتهم لا تتفق كثيرًا، ويبين أن الدليل الذي تقدمه الكتب المقدسة ضدهم.
43 ـ يقول الآريوسيون إن المسيح ليس مثل الآب، أما نحن فننكر هذا القول، بل بالحرى حقًا، نحن نجزع هلعًا عند سماع هذه العبارة. ومع ذلك فأنا أريد من جلالتك أن تثق فى مناظراتنا ومحاوراتنا. دعنا نسأل الكتب المقدسة، الرسل، الأنبياء، المسيح، بل دعنا فى كلمة (واحدة) نسأل عن الآب الذي يقول هؤلاء القوم إنهم يُرفِّعون من قدره عندما يدّعون أن الابن أدنى منه. علمًا بأن إهانة الابن لن تؤول إلى كرامة للآب الصالح. ولا يمكن أن يُسرّ الآب الصالح إذا قيل إن الابن أقل من الآب، وليس مساويًا له .
44 ـ إننى أتوسل إلى جلالتك أن تحتملني إن كنت ـ لفترة وجيزة ـ أوجه كلامى لهؤلاء الناس بنوعٍ خاص. ولكن من منهم أختاره لأقتبس منه؟ أونوميوس[51] Eunomius، أم آريوس وإتيوس Aetïus[52] معلميه، لأن أسماءهم كثيرة، ولكنهم مشتركون في كفر واحد، ثابت في الشر، ولكن في المناقشات، فإنهم ينقسمون على أنفسهم بغير اختلاف فيما يخص المخادعة والمكر؛ ولكن في مجموعهم يشتركون في الإقدام على بث الخلافات، ولكن لماذا لا يتفقون معًا فيما بينهم فهذا ما لا أفهمه؟!
45 ـ الآريوسيون ينبذون شخص أونوميوس، ولكنهم يتمسكون بكفره ويسيرون في طرقه الشريرة. هم يقولون إنه بحماس كبير نشر كتابات آريوس. حقًا يا لها وفرة مسرفة فى الضلال! إنهم يمدحون من أعطى الأمر ويرفضون من ينفذه! ولذلك فقد انقسموا إلى شيع متعددة. فالبعض يتبع أونوميوس أو إتيوس، والبعض يتبع بلاديوس أو ديموفيلوس Demophilus وأكسينتيوسAuxentius أو الوارثين لهذا النمط من الكفر[53]، وآخرون أيضًا يتبعون معلمين مختلفين، فهل انقسم المسيح[54]؟ حاشا، ولكن أولئك الذين يفصلون المسيح عن الآب فإنهم يقطعون أنفسهم بأيديهم إلى أجزاء متباعدة .
46 ـ لذلك إذ أرى أن الرجال الذين لا يتوافقون بين أنفسهم وكلهم يتماثلون في التآمر على كنيسة الله، فسوف أطلق على أولئك الذين أرد عليهم، اللقب المشترك، “الهراطقة”. إن الهرطقة هي مثل نوع من الطحالب المذكورة في الأساطير، والتى عندما تخرج، فإنها تغطى نفسها بطبقة سميكة من الشمع، كما أنه يحدث في أكثر الأحيان إنه عندما يقصر طولها بسبب ما ينالها من قَطْع أجزاء منها فإنها تنمو من جديد. هذا النوع من الطحالب لا يمكن ملاشاته إلاّ بلهيب النار[55]، أو مثل نوع من الـ”سكيللا” Scylla الهائلة والمريعة ـ ينقسمون إلى أشكال كثيرة من الكفر ـ فإنها تتخفى كما بقناع لتخفي غدرها، هكذا هم يتظاهرون بأنهم شيعة مسيحية. إن هؤلاء القوم البائسين والتعساء الذين يندفعون ذهابا وإيابًا ـ يشبهون ذاك الوحش الذي يندفع وسط أمواج عنفه الشرير ـ هكذا هم أيضًا يندفعون وسط حطام مذهبهم، يتمرغون بتورطهم الشديد فى تعاليمهم الكفرية متمنطقين بحيوانات متوحشة.
47 ـ إن كهف هذا الوحش الفظ، يا جلالة الإمبراطور محفوظ كما يقول الملاحون فى مرابض مختفية، ولذلك فإن جميع الجيران فى المناطق المجاورة، يتعرفون عليه بواسطة نباح الكلاب، لذا فيجب علينا نحن أيضًا أن نرهف آذاننا جيدًا إلى نباح كفرهم، لأنه مكتوب: ” انظر، سيِّج أذنيك بالشوك” (يشوع بن سيراخ28:28) وأيضًا: ” احذروا الكلاب، احذروا فعلة الشر” (فى2:3)،
بل وأيضًا: ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه” (تى10:3ـ11). إذن فمثل بحارة حكماء، دعنا نقلع رافعين شراع إيماننا في الطريق الذي نعبره بأمان شديد، وأيضًا نتبع شواطئ الكتب المقدسة.




