تُعيِّدُ الكَنيسةُ الأُرثوذُكسيَّةُ لِجَميعِ القِدِّيسينَ في الأَحدِ الأوَّلِ الَّذي يلي أحد عِيدِ العَنصرَة.
ومَفادُ عيد جميع القدّيسين أنَّ هؤلاء يَتَقدَّسُونَ بِالرُّوحِ القُدُس عينه الّذي نَزَلَ عَلى الرُّسُلِ المُجتَمِعينَ في عُليَّةِ صِهيَونَ (أعمال الرسل٢)، والَّذي نَأخُذُهُ في مَعمُودِيَّتِنَا المُقَدَّسة.
فنَحنُ مَدعُوونَ فِي كُلِّ لَحظَةٍ أن نُفَعِّلَ الروح القدس في حَياتِنا ونَمتَلِئَ مِنهُ وَنعيشَ بِحَسَبِ الإنجيلِ لِكي نَتَقَدَّس. فَدَعوَتُنا مُنذُ البَدءِ أن نَكُونَ قِدِّيسِينَ كَما أنَّ اللهَ هُوَ قُدُّوس. (لاويين ٢:١٩).
ملاحظة:
القِدِّيسُ في الكَنيسَةِ الأُرثوذُكسيّةِ هُوَ مَن أَضحى إنجيلاً، وكانت عقيدتُه مُستَقيمةً. يُعلِنُهُ المجمَعُ البطريركيُّ الخاص بكل بطريَركيَّةٍ، ويُحدِّدُ له عيدًا في الرُّزنامةِ الكَنسيَّة، وتُكتَبُ لهُ خِدمةٌ ليتورجيَّةٌ (فيها طروباريّة وقنداقٌ خاصّان له)، وكذلكَ تُكتًبُ له أيقونة.
٢- ظُهور أيقونة العيد:
ظَهَرَت أيقُونَةُ هَذا العِيدِ ابتِداءً مِنَ القَرنِ التَّاسِعِ الميلادي، ولم تَتَغيَّرْ كثيرًا اليَوم. علمًا أن قبل القرن التاسع كانت تعيد الكنيسة في هذا اليوم للشهداء، وهذا نلاحظه من خلال طروبارية العيد. عاد وأضيف القدّيسين والأبرار، وبالتالي أصبح هذا العيد جامعًا، مع التشديد أن عدد القدّيسين غير محصيّ.
في هذا القِسمِ أيضًا نُشاهِدُ على يَسارِ الأيقُونَةِ إبراهيمَ يَحمِلُ على صَدرِهِ قِطعةَ قُماشٍ في دَاخلِهَا نُفوسُ الأتقياء. القُمَاشُ رمزٌ لِقُدسِيَّةِ النُّفُوس.
في أيقونات أخرى نشاهد إبراهيم يحمل صبيًّا بلباس أبيض رمزًا لطهارته وخلفه نفوس الراقدين الأتقياء. وهذا ما نقوله في خدمة الجنّاز. “ويرحها في أحضان إبراهيم”.
وُجودُ إبراهِيمَ مُرتَبِطٌ بِمَثَلِ لَعازَرَ والغَنِيِّ في إنجِيلِ لُوقا (١٩:١٦-٣١)، وكَيفَ انتَقَلَ لَعازَرُ بعدَ رُقادِهِ إلى حِضنِ إبراهيمَ وتَعزَّى.
في الزَّاوِيَةِ المُقابِلَةِ نُشاهِدُ يَعقُوبَ يَحمِلُ الأسبَاطَ الاثنَي عَشرَ في قِطعَةِ قُماشٍ أيْضًا.
يَسوعُ في مَجدِهِ الّذي لَهُ، هو والآب والروح القدس قَبلَ الزَّمان.
نلاحظ في الوسط تمامًا وفي خط أفقيّ وجود والدة الإله عن يمين الرّب يسوع المسيح، والقدّيس يوحنا المعمدان عن يساره. إنّهما في حالة تضرّع وتوسّل وصلاة.
ملاحظة:
هناك إيقونة تعرف بالشفاعة أو التضرّع تدعى Deisis مِن الكلمة اليونانيّة δέησις التي تعني صلاة، وهي تجمع الرّب يسوع المسيح ووالدة الإله والقدّيس يوحنا المعمدان كما نراهم هنا.
وهي مِن الأيقونات الخاصة التي نشاهد فيها مريم مِن دون يسوع، إذ هي في حالة تضرّع. وقد درجت العادة أن توضع هذه الأيقونة فوق الباب الملوكي تحت الصلبوت (أيقونة الصلب).
يُحيطُ بِالرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ أَربَعَةُ مَخلُوقَاتٍ تَرمُزُ إلى الإنجيليّينّ الأَربعَة: متَّى: المَلاكُ-الإنسانُ لأنَّهُ تَكلَّمَ كثيرًا على ابنِ الإنسانِ، مَرقُسُ: الأَسدُ كَونَ إنجيلِهِ يَبدأُ “صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ” كَزَئيرِ الأسَد، لوقا: الثَّورُ إذ يَتَكَلَّمُ على زَكَرِيَّا الَّذي قَدَّمَ ذَبيحَتَهُ عَلى مَذبَحِ المُحرَقَةِ رَمْزًا لِلصَّليبِ، كَما أنَّ لُوقَا الإنجيليَّ تَكلَّمَ وَحدَهُ على العِجلِ المُسَمَّنِ في مَثَلِ الابنِ الشَّاطِر. يُوحنّا: النَّسرُ، وهُوَ الَّذي حَلَّقَ في اللّاهوتِ، ويُحَدِّثُنا عَنِ المَسيحِ بِعُمقٍ لاهُوتيٍّ كَبير.
هَذِهِ المَخلُوقاتُ مَذكُورَةٌ في رُؤيا حَزقيَّالِ النَّبيّ (الإصحَاحَان الأَوَّلُ والعَاشَر)، وفي رُؤيا يُوحَنَّا الإنجِيليّ (الإصحَاحُ الرَّابِع). كَمَا أنَّ الرَّقمَ أَربعَة يُمَثِّلُ العَالَمَ في الجِهاتِ الأَربع (زك ١:٦، ٥، مت ٣١:٢٤).
تَحتَ الرَّبِّ مُباشَرَةً نُشَاهِدُ آدمَ وَحَواءَ يَسجُدَانِ للرَّبِّ أَمامَ العَرشِ حَاملَين كَأسَ الظَّفَرِ. نُشاهِدُ خَلفهَمُا الصَّليبَ والإنجِيلَ عَلى المَائِدَة. يوجد خلف رأس آدم وحواء هنا هالة القداسة، بينما في أيقونة نزول الرب إلى الجحيم (القيامة) هما بلا هالة خلاف باقي القديسين في أيقونة القيامة، وذلك لأن التركيز هو على أن يسوع انتشلهما من القبر، ليعود يحل عليهم الروح القدس لاحقًا ويدخلان في قافلة القدّيسين.