ألقاب الرّبّ يسوع المسيح

ألقاب الرّبّ يسوع المسيح

للرّب يسوع المسيح الإله الكامل والإنسان الكامل عدّة ألقاب مذكورة في الكتاب المقدّس. نستعرض في هذه الفقرة هذه الأألقاب مع شروحات تساعد كلّ مؤمن على التعرّف أكثر على عمق التدبير الإلهيّ للإنسان ولاهوت خلاص البشريّة بتجسّد الله وصيرورته إنسانًا.

السيّد:

لقب سيّد في العهد الجديد هو نفسه الرّبّ أي Κύριος هذا يظهر واضحًا في مقارنة بسيطة بين هذه الآيات: بعد نزول الرّبّ يسوع من الجبل، إذا أبرص قد جاء وسجد له قائلاً: «يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهّرني» (مت ٢:٨).

المناداة “يا سيّد” في اللغة الأصليّة للعهد الجديد أي اليونانيّة هي Κύριε التي نفسها “يا رب”.

فإذا رجعنا إصحاحًا إلى الوراء، نجد في الإصحاح السابع الرّبّ يسوع المسيح يقول في عظته على الجبل: “«ليس كلّ من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات” (مت ٢١:٧).

يا ربّنا يسوع المسيح، أنت وحدك تسود على حياتنا لأنّك وحدك السيّد وإلهنا إلى الآبد.

عمانوئيل:

في حوالي القرن الثامن قبل الميلاد وقف نبيٌ في وسط الشعب وأعلن آيةً من عند الرّبّ: “ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل (إشعياء١٤:٧)”.

هذه الآية التي وردت في العهد القديم تحقّقت بملئها في العهد الجديد: إنّه إعلان السر الذي قبل الدهور. لنلاحظ هنا ثلاثة أمور:

١- آية: “السيّد يعطيكم نفسه آية”. كلمة آيّة تعني شيئًا غير عادي، وكان عجيبًا أن يتجسّد الله.
٢- النسب: الابن هنا منسوب إلى العذراء وليس لرجل، عكس كلّ المولودين إذ نجدهم منسوبين إلى رجال.

هذا يذكّرنا بما قاله الله للحيّة “أضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها…” (تك٣: ١٥ ).

فالمقصود هنا الرّب يسوع المسيح المخلّص الآتي إلى العالم.

٣- العذراء: قال النبي “العذراء” وليس عذراء، إذًا هي عذراء معيّنة. وأتت الكلمة في العبرية “علما” مع ال التعريف التي تعني الفتاة الصغيرة، وتُرجمت الكلمة إلى “العذراء”  ἡ παρθένος في السبعينيّة في اللغة اليونانيّة.

ملاحظة:

عمانوئيل هي كلمة عبريّة. عمانو أي معنا وإيل هو الله، بمعنى الرأس والأوّل. ومنها أتت كلمة Immanuel εμμανουηλ

ورد اسم عمانوئيل ثلاث مرّات في الكتاب المقدس.

١- ولكن يعطيكم السيد نفسه اية.ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل (إش١٤:٧)

٢- ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل (إش٨:٨)

٣- «هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل» (مت٢٣:١)


لم يسبق ان استخدم أي شخص آخرَ اسم عمانوئيل. هو وحده ابن العذراء مريم.

“وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ.” (١ تي١٦:٣)

هذا السرّ عظيم حيّر العقول البشريّة: المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الآبد (رو ٩: ٥).

المُخلّص

اسم يسوع أو يشوع أو يهوشع، في اللغة العبريّة، يعني “يهوه يخلّص”.

هو يتألّف من كلمتين: يهوه وتعني الكائن، إذ تأتي من فعل الكينونة “هيه”، و”يَشَع” الذي هو فعل الخلاص. 

والرّبّ يسوع يسوع المسيح هو المخلّص الوحيد ولا مخلّص غيره.

هذا تحديدًا ما قاله الملاك ليوسف خطيب مريم في العهد الجديد: ”فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم”. (متى ٢١:١).

ملاحظة: كلمة مخلّص في اللغة اليونانيّة هي سوتير σωτήρ.

المسيح :

كلمة المسيح Χριστός وإن أتت كاسم علم إنّما هي بالأساس صفة

أصل الكلمة عبري ”م ش ي ح“ وهي تشير إلى الممسوح، والفعل باليونانيّة χρίω أي أمسح.

في العهد القديم:

درجت العادة عند الوثنيين كما عند اليهود أن يُمسح (يُمشح) الملوك بالأطياب الممزوجة بالزيت في احتفالات تنصيبهم. ”وأتى رجال يهوذا ومسحوا هناك داود ملكًا على بيت يهوذا“ (٢صم٤:٢).

من هنا كان الملك ”مسيحًا“ أي ممسوحًا بالأطياب والزيت.  

كما كانت الملكيّة تُعتبر عند الشعوب القديمة معطاة من الإله فيصبح الملك بالتالي مسيح الإله، والاعتداء عليه هو الاعتداء على إلهه الذي مسحه. وكل انتصار ملك على ملك آخر، هو انتصار إله الملك المنتصر على إله الملك الخاسر.

نقرأ في العهد القديم مثلًا كيف رفض داود أن يقتل شاول الملك في الكهف قائلًا لرجاله: ”حاشا لي من قِبل الرّبّ أن أعمل هذا الأمر بسيّدي مسيح الرّبّ فأمدّ يدي إليه لأنّه مسيح الرّبّ هو“ (١صم٦:٢٤).

من هذا المنطلق نقرأ عند إشعياء النبي أن قورش هو ”مسيحه“ أي مسيح الرّبّ: ”هكذا يقول الرّبّ لمسيحه لقورش …“. (١:٤٥).

حتّى أنّ يعقوب مسح نفسه بالزيت ناذرًا نفسه لله وذلك بعد أن استيقظ من حلمه الذي رأى فيه ”سلّمًا منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها.
وهوذا الرّبّ واقف عليها“ (تك ١٢:٢٨-١٣)، ودعى المكان حيث كان ”بيت إيل“ أي بيت الله. (تك ١٨:٢٨).

أيضًا، عظيم الكهنة كان يُمسح كما حصل مع هارون مثلًا ”وتأخذ دهن المسحة وتسكبه على رأسه وتمسحه.“(خر ٧:٢٩). 

صحيح أنّ كرامة الملك كانت تُعتبر من كرامة إلهه المنتصر والحاكم، إلّا أنّه في التدبير الخلاصي أخذت الكرامة منحى آخر إذ أصبحت مرتبطة بمن يعلن مشيئة الله إلى الشعب، أي بالأنبياء، لذا يقول الربّ في المزمور ١٠٥ الآية ١٥ ”لا تمسّوا مسحائي ولا تسيئوا إلى أنبيائي“ (أخ٢٢:١٦)، إذ قاسى هؤلاء السجن و النفي و القتل أي أصبحوا شهداء الله.

الرّبّ يسوع المسيح المنتظر:

وسط هذه التسميات العديدة لأناس ترابيّين مهما علا شأنهم، كانت هناك إشارة واضحة منذ القدم لمسيح مختلف، مسيح مخلّص وأبدي.

هذا تحديدًا ما قاله صموئيل النبي للكاهن عالي بسبب فساد ولديه: ”وأقيم لنفسي كاهنًا أمينًا يعمل حسب ما بقلبي ونفسي، وأبني له بيتًا أمينًا فيسير أمام مسيحي كلّ الأيام“. (١ صم٣٥:٢). 

هذه الآية تتكلّم عن الرّبّ يسوع المسيح وليس عن أي ملك أرضي، فعبارة كلّ الأيام تشير إلى الأبديّة.

كما وردت في العهد القديم أيضًا إشارة إلى إضطهاد المسيح، إذ نقرأ مثلاً في المزمور الثاني: ”وتآمر الرؤساء معًا على الرّبّ وعلى مسيحه قائلين: لنقطع قيودهما ولنطرح عنّا ربطهما“ (٢/٢).

في العهد الجديد:

يفتتح متى الإنجيلي إنجيله بذكر المسيح: ”كتاب ميلاد يسوع المسيح“ (١:١)، هذا ليؤكّد لليهود خاصةً أن المسيح هو الرّبّ يسوع.

ويخبرنا يوحنّا الإنجيليّ عن اندراوس الذي” وجد أوّلاً اخاه سمعان، فقال له:«قد وجدنا مسّيا» الذي تفسيره: المسيح“ (يو ٤١:١)

تعلن المرأة السامريّة للرّب يسوع المسيح: ”أنا أعلم أن مسيّا، الذي يقال له المسيح، يأتي. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء». ويجيبها الرّبّ :«انا الذي اكلمك هو»“ (يو ٢٥:٤).

بطرس الرسول يقوم باعتراف إلهيّ:”أنت هو المسيح ابن الله الحي“ (متى١٦:١٦).

فالمسيح إذًا الذي انتظرته الشعوب (دا ٢٥:٩-٢٦)، تجسّد وصُلب وقام وأقامنا معه.

فالتأكيد واضحٌ في الرسالة إلى العبرانيين في ذكرها للمزمور الخامس والأربعين (٧:٤٥) أن الرّبّ يسوع المسيح هو المقصود ”من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك“ (عب ٧:١).


خلاصة:

إذا كان لقب المسيح في العهد القديم جمع الملوك والأنبياء والكهنة، فالرّب يسوع المسيح جمع بشخصه هذه الصفات الثلاث كونه الله المتجسّد.

فهو:

– ملك الملوك، وملكه أبديّ لا يفنى لأنّه غير مصنوع بيد إنسان.

– النبي الأعظم، بمعنى أنّه من يعلن كلمة الحق، ويسوع هو الكلمة والحق.

– الكاهن الأعظم والأوّل، وهو الذي قدّم نفسه ذبيحةً، فكان المقدِّم والمقدَّم.

وعندما قرأ الرّبّ يسوع في الناصرة في سفر إشعيا أكّد بأنّه المسيح:

”روح الرّبّ عليّ لأنّه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحريّة، وأكرز بسنة الرّبّ المقبولة“، طوى السفر وقال: ”اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم» (لو١٦:٤-٢٢).

فالمسيح مخلّص الشعوب هو الرّبّ يسوع المسيح الذي فيه تحقّق الوعد الذي أُعطي لحواء:”وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك“ (تك١٥:٣).

وقد أحسن بولس الرسول تفسير ذلك خير تفسير:”وأمّا المواعيد فقيلت في ابراهيم وفي نسله. لا يقول:«وفي الأنسال» كأنّه عن كثيرين، بل كأنّه عن واحد: «وفي نسلك» الذي هو المسيح. (غل١٦:٣).

فأمام الكثير من شيع اليهود ورؤسائهم الذين أرادوا المسيح ملكًا يرفعهم فوق كلّ الشعوب، وأمام قلّة مثل سمعان الشيخ وحنّة النبيّة الذين أدركوا سمو الأمر، وأمام التلامذة الذين سألوا الرّبّ بعد الصعود وقبل العنصرة :”هل في هذا الوقت ترد الملك لإسرائيل“ (أع ٦:٢)، نصلّي بحرارة وتوبة أن نكون حقًا مسيحيين.

Copyright Greek Orthodox Patriarchate of Antioch and All the East