رقاد والدة الإله سرّ يفوقُ الإدراكَ والجمال
الإثنين 14 آب 2017 14:00 الأب أثناسيوس شهوان* – خاص النشرة
بِأيَّةِ كلماتٍ أشرحُ سِراً؟ إِنَّ رُوحِي تَستَصْعِبُ شرحَ سرٍّ يفوقُ الإدراكَ والجمال، سرٍّ فريدٍ مِنْ نوعِهِ يرتقي بأفكارنا نحو العُلا. لا أستطيعُ أن أجدَ أيَّ شيءٍ لأقارنَ بِهِ هذا الحَدَث، فقد تَجاوزتِ حدودَ الطبيعةِ في حَبَلِكِ الإِلَهي.
مَنْ ذا الذي سَمِعَ قَبلاً بِعذراءَ تَحبلُ مِنْ دُونِ زَرْعٍ؟ أو أُماً تَلِدُ طِفلاً وهي عذراء؟ لقد حَبِلتِ بالإلهِ وولدْتِهِ إِنساناً. وأَمَّا في رُقادِكِ الـمُقَدَّسِ فَسَمَوتِ بغير قياسٍ عن كُلِّ البشر.
أنتِ وَحْدَكِ لَبِسْتِ المجدَ مِنْ ذاكَ الذي وُلِدَ منكِ، وهو إلهٌ وإنسانٌ في الوقتِ عَينِه. (القديس ثيودورس الاستوديتي-مديح في الرقا)
القنداق
إِنَّ وَالِدَةَ الإِلهِ الَّتي لا تَغْفُلُ في الشَّفاعات، والرجاءِ غَيرِ المردودِ في النَّجْدات، لم يَضبُطْها قَبرٌ ولا مَوتٌ. ولكن بما أنَّها أُمُّ الحياة، نَقَلَها إلى الحياةِ الذي حَلَّ في مُسْتَودَعِها الدَّائمِ البَتولية.
العيد
يكتُبُ القِديسُ مكسيموس المعترف في القرن السابع: ”العيد مُوَقَّرٌ من الملائكةِ والبشرِ معاً، وملكَتُه مُتَوَّجةٌ بالنعمةِ الإلهية إذ هي والدةُ الإله“.
ويُخاطِبُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي والدةَ الإله في القرن الثامن فيقول: جسدُكِ خلقَهُ اللهُ وتجسَّدَ منه.
جسدُكِ الترابي ظَهَرَ مِنْهُ النورُ الحقيقيُّ الذي لا يَفنى، نُورُ الحياةِ الأبديّةِ والخالدة، والفرحُ الحقيقي، ونهرُ النعمة، وينبوعُ الأشفية، والبركةُ الأبدية.
من أجل كلِّ هذا لا أستطيعُ أن أَدعُوَ رحيلَكِ عنَّا مَوتاً بل رُقاداً أو سَفراً، لا بل إِقَامةً أبديةً في السماوات. بخروجِكِ من الجسدِ والتُّرابيَّةِ المحدودةِ دَخلتِ أَمداءً لا تعرفُ حُدوداً ولا يُدرِكُها فناء”. (القديس يوحنا الدمشقي).
عيدُ الرُّقادِ يُؤكِّدُ على السِّرِّ الذي انكشفَ بالتجسّدِ وعَبَرَ بالصليبِ والقيامةِ رافعاً إِيَّانا إلى السماوات ومرسلاً لنا الروح القدس.
إنه عيدٌ يُعلِنُ للإنسان تألُّـهَهُ بالنعمةِ الإلهيّة، كيف لا وسَنَتُنَا الليتورجيةُ تبدأُ بِعِيدِ ميلادِ والدةِ الإله في الثامنِ من أيلول، وتنتهي بِعيدِ رقادها في الخامسَ عشرَ من آب، لتُبشِّرَنا بأنَّ من يولدْ ولادةً جديدةً مع الرّبّ، ومن يَعِشْ كلمةَ الرَّبِّ ويَعملْ بوصاياه، فهو وإن ذاقَ مُرَّ الصِعابِ والشدائد، يقُمْ معَ القائمِ ويصعدْ معه، ويَنَلِ الروحَ القدسَ ولا يُدرِكُهُ الموت.
إنها دورةٌ ليتورجيةٌ قياميّة، دعوةٌ أبديةٌ لكلِّ إنسانٍ يؤمنُ أنَّ الربَّ يسوعَ المسيحَ هُو إِلَهُهُ، فمَنْ آمنَ بِي وإِنْ مَاتَ فسيحيا.
جذور العيد
جذور العيد شرقيّة بامتيازٍ شديدٍ ويَكمُن في عُمقِ التاريخِ المسيحي، فتكريم والدة الإله أَعلنتْ مَبْدَأَهُ هي نَفسُها حين قالت: “تطوِّبني جميع الأجيال”، وأدركتِ الجماعةُ المسيحيةُ الأولى مكانةَ العذراءِ وشفاعتَها مُشرِّفَةً اسمَها في صلواتٍ جمَّةٍ ما انفكَّتِ الليتورجية الأرثوذكسيةُ ترفَعُها.
انبثقَ هذا العيد من رَحِمِ إيمانِ المؤمنين بالرّبّ وعبادتِهم له، وتكريمهم لوالدة الإله والقدّيسين. لكنَّ الباحثين التاريخيّين والمتخصّصين سجَّلوا ملاحظاتٍ عديدةً حولَ بُزوغِ التعييدِ لهذا الحدثِ الـمَهيب تعودُ إلى القرن الثاني ميلادي
إذ سُجِّلَ وجود عيد مَريميّ عظيمٍ كان يُوقَّر بخدمةٍ ليتورجيَّةٍ تُقام في الخامسَ عشرَ من شهرِ آب في أورشليم وذلك منذُ القرنِ الأولِ الميلادي، بالإضافةِ إلى وجودَ احتفالاتٍ ليتورجيَّةٍ كبيرةٍ في الجسثمانية، وتحديداً في مكان قِيل أنَّه قبرُ العذراء حيث بَنَتِ الامبراطورة أثيناييس-إيذوكسيّا كنيسة عام 460م.
ما نعرفُهُ أكيداً هو أنَّ العيدَ كانَ مُنتَشِراً في كلِّ أرجاءِ الإمبراطوريةِ على عهدِ الإمبراطور موريس بين عامي 582-602م. وابتداءً من تلكَ الفترةِ تَزاحمَ كبارُ اللاهوتيين وشعراءُ الكنيسة وخُطباؤها لتكريمِ والدةِ الإله ورقادِها.
ما يرافق العيد
أصبحَ عيدُ الرقادِ مَسبوقاً بصومٍ لمدةِ خمسةَ عشرَ يوماً منذُ عهدِ القدّيسِ ثيودورس الاستوديتي (759-826م)، وبهذا ناهزَ أهميّةَ الأعيادِ الكبيرة في الكنيسة.
يُرتَّلُ في فترةِ الصوم هذا كلَّ مساءٍ صلاةٌ ابتهاليةٌ تُعرَفُ بصلاةِ البراكليسي أي التضرّع، وهي صلوات انتشرتْ بين المؤمنينَ معَ انتشارِ طَلَبِ شفاعةِ والدةِ الإله الذي بَدَأَ منذُ القرونِ الأولى.
وتدريجيًّا أصبح شهر آب شهراً مُكرَّساً لوالدةِ الإله لوقوعِ عيدِ رُقادِها في وَسَطِهِ، ومِنْ هُنا صارَ يُعرَف شهرُ آب بالشَّهْرِ المريميِّ شهرِ العذراءِ مريمَ والدة الإله.
الأيقونة





