
الفضائل والحياة الروحية الطريق إلى ملكوت السماوات
ينشد الإنسان النجاح والسعادة باشتياق. ولا حرج في ذلك لأن هذه الرغبة جزء من طبيعته، ولكن كل نجاح على الأرض ناقص، وكل سعادة في العالم خيال. والرغبة التي فينا نحو السعادة لن تخبو نارها المستعمرة بملذات العالم. وكما أن العطشان لا يرتوي إلاّ من المياه هكذا النجاح والمسرّة لا يكملان إلاّ في الله.
إنّا نسرّ بالأشياء فنطلبها، ولكن أنّى لنا أن نسعد بها؟ لأنه قلّما نحصل عليها كما نحب. وإن حصلنا فلا تدوم، وإن دامت فسرعان ما تزول رغبتنا فيها. وإن دامت رغبتنا فنشقى لأنا نطلب المزيد. لقد كان سليمان غنياً حتى أن آنية بيته كانت من الذهب الخالص. وكان حكيماً حتى أن الملوك والحكماء أتوا من أقاصي الأرض ليسمعوا حكمته ويروا مجده. ولكن لم يسدّ كل هذا الفراغ قلبه فعاد أدراجه واعتبر أن كل ما في العالم باطل وقبض الريح: (جميع الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن) (جامعة 7:1). إذ أننا غرباء في الأرض، نسير كسوّاح نحو وطننا السماوي في ملكوت الله
والخطيئة حقيقية لا تُنكر، يعترف بها كل من فحص قلبه. لأن البشر جميعاً حتى الذين ليس لهم نور الوحي، يشعرون بخطاياهم ويعترفون بنقصهم وعجزهم عن القيام بما كُلِّفوا به أدبياً، بأنهم مطرودون من دائرة رضى الله. كما أن كل إنسان يسلّم بأنه عديم الصلاح أمام الشريعة الإلهية بيد أنه لا أحد يميّز قوة الخطيئة وشدة فعلها فينا كالمؤمن الحقيقي الذي فداه المسيح من تسلط الخطيئة المطلق عليه. لأن الشريعة تفعل فيه فعل المؤدِّب لتأتي به إلى المسيح. وهذا (أي المسيح) يعلّمه سماجة الخطيئة وشدة لزوم التخلّص من عبوديتها. كما أن النعمة ترشد المؤمن إلى معرفة حقيقة الخطيئة، واختباراته توضح له نجاسة قلبه وشدة ميله إلى الشر، فيضحي شاعراً أكثر من غيره بأنه محتاج كل الاحتياج إلى معرفة النعمة الإلهية وفيض المراحم والحب، وإلى دوام التكفير لتستر الخطيئة، وإلى تجديد الروح القدس لينال المناعة ضد ارتكاب الشر ويكون أشد تسليماً بلزوم طريقة الفداء التي عيّنها الله لإنارته وتجديده وتقديسه وخلاصه من لعنة الخطيئة وتسلطها عليه. فالمتجدد هو من يعترف بخطاياه حق الاعتراف ويشعر بقوة الخطيئة فيه.
إن المسيح أخلى ذاته ليرينا أن أصل الداء هو في التعلق بذواتنا. وصُلب بواسطتنا ولأجلنا ليرينا ماذا تفعل الخطيئة والأنانية بالمحبة. ولينزل دمه الذكي مجدداً عهد المحبة فنعود إلى الله الآب من بعد ما كان قد تملكنا الشر الذي فصلنا عنه والشعور بالذات الذي أعمى عيوننا فلم نرجع لنرى حبه. ونحن مفتقرون إلى هذا التغيير لأننا لا نحب القداسة ولا نرغب فيها. لذلك نحن نحتاج إلى تجديد كلي تنشأ منه حياة جديدة نلبس المسيح الإله الذي تجسد من أجلنا.
للقديس اينوكنديوس كارزو ألاسكا
No Result
View All Result