
لحظة الحقيقة تسقط الأقنعة في بداية العام الجديد
وقفة مواجهة مع الذات
في مساء يوم الأحد، وحين كانت الشمس تنزف آخر قطرات الشفق الأحمر راسمةً جرحاً دامياً في الأفق، حدث الانفصال العظيم. لم يكن الأمر كما تخيلته في كتبي ونظرياتي؛ لم يكن ظلاماً يطبق على الصدر، بل كان “انعتاقاً” مدوياً. شعرتُ بروحي، تلك الشرارة الحبيسة، تخلع عنها “الإناء الخزفي” الذي سكنته سنوات طوال. قاوم جسدي -ذاك الثوب البيولوجي الذي لطالما عبدته، ودهنته بالعطور، وأشبعته بالملذات- محاولاً البقاء بآليته العمياء، متشبثاً بآخر أنفاس الحياة الفانية. لكن أمر السماء كان قد قُضي، وقوانين المادة رضخت لقوانين الروح، فنظرتُ إلى الأسفل، ورأيت تلك الجثة الهامدة ملقاة كبقايا تمثال متهشم، وأدركتُ لأول مرة، بوضوح يخلع القلب، تفاهة القشرة التي كنت ألمعها وأظنها “أنا”.
لكن الصدمة الحقيقية التي زلزلت كياني لم تكن مشهد الموت، بل كانت “طبيعة الوجود الجديد”. كنت أظن أن خروج الروح يعني الدخول في سبات أو حلم، فإذا بي أدخل في “يقظة مرعبة”. فجأة، وبلا مقدمات، سقطت حواجز الزمان والمكان. لم أعد أرى بعينين، بل صرتُ “كلي عيناً”. تلاشى مفهوم “الماضي” و”المستقبل”، وصرتُ أقف في “آنٍ دائم”. رأيت حياتي كلها، من صرخة ميلادي الأولى إلى شهقة موتي الأخيرة، معروضة أمامي دفعة واحدة كلوحة عملاقة لا يغيب منها تفصيل. أدركتُ بذهول أن وعيي الأرضي كان نوعاً من “النوم العميق”، وأنني كنت “أعمى” يظن أنه يبصر، فالأفكار التي كنت أخبئها في سراديب عقلي صارت الآن “أجساماً” مرئية، ونواياي التي سترتها بالمجاملات صارت عارية ومفضوحة.
في غمرة هذا الذهول، شق سكون الأبدية كائنٌ من نور، ليس نوراً فيزيائياً كضوء الشمس، بل “نور عقلي” يخترق الكيان. لم يكن ملاكاً مجنحاً كما تصوره رسومات الأطفال، بل كان حضوره يجسد “الحق الصارم”. كان صوته لا يطرق الأذن، بل يتردد في جوهر الوجود كحكمٍ مبرم لا يقبل النقض، أمسك بكياني بقوة لا فكاك منها، وقال: “لقد سقطت الأقنعة.. استعد لتقف عارياً أمام من لا يخفى عليه خافية”. ارتعدتُ، ليس برداً، بل خجلاً من عريي الروحي، وقلت: “يا سيدي، تمهل عليّ. وعيي الجديد هذا يحرقني. أشعر بثقل رهيب رغم خفتي، إنه ثقل ذاتي المشوهة”. فرد بصرامة: “لا وقت للتمهل، فالوقت من خصائص الأرض. انظر إلى ما صنعت يداك”.
أخذني في جولة كشفٍ موجعة، فرأيت “أمي”.. تلك القديسة الصامتة. لم أرَ جسدها، بل رأيت روحها. كانت صلواتها ترتفع كأعمدة بخور ممزوجة بالدماء، تذرف الدموع أمام أيقونة العذراء، لا لتطلب مالاً أو صحة، بل لتطلب خلاص نفسي. تذكرتُ قسوتي عليها، وكيف كنت أعتبر نصائحها “رجعية” و”دروشة”. قال الملاك: “هذه المرأة كانت ضميرك الخارجي الذي أردت قتله. كنت تهرب من عينيها لأنها كانت مرآةً تفضح زيفك”.
ثم انتقل المشهد، ليفتح جرحاً أعمق. رأيت نفسي في الكنيسة أمام “أبي الكاهن”. تذكرتُ بوضوح مرعب تلك اللحظات التي كان يلاحقني فيها بمحبة أبوية صادقة، ممسكاً بيدي قائلاً: “يا بني، تعال. الصوم والصلاة والاعتراف ليست قيوداً، بل هي أجنحة. اغسل كبرياء عقلك بدموع التوبة، فالقلب إن لم يتب يتقسى ويموت”. وتذكرتُ ردي عليه.. ذاك الرد المفعم بالصلف الثقافي والغرور الأكاديمي. كنتُ أرمقه بنظرة شفقة مصطنعة وأقول له: “يا أبانا، أنا أحترم طقوسكم، لكن عقلي تجاوز هذه المرحلية. الاعتراف جلسة نفسية بدائية، والخطيئة مفهوم اخترعه الضعفاء للسيطرة على الأقوياء. أنا إله نفسي، وعقلي هو بوصلتي الأخلاقية. العلم والفلسفة حرراني من عقدة الذنب”. كنتُ أظن نفسي فيلسوفاً “مستنيراً”، بينما كشف لي النور الآن حقيقتي البشعة: كنتُ “ملحداً مقنعاً”، أنكر عمل الله في حياتي، وأعبد “صنم عقلي”، متستراً برداء الثقافة لأبرر شهواتي وكبريائي. قال الملاك والحزن يغلف حزمه: “لقد استهنت بالدواء، ورفضت الطبيب. ظننت أن فلسفتك ستحميك من الموت، فهل تحميك الآن؟ لقد عشت ميتاً بالروح وأنت حي بالجسد”.
ثم انقشع المشهد ليكشف عن “النخبة” التي فضلتها على مذبح الرب؛ أصدقائي الذين كنت أجاريهم في كل شيء. رأيت وجوههم الآن بلا رتوش. سمعت أحدهم يضحك ويقول: “مات سمير.. يا لمحاسن الصدف! لقد ارتحنا من سذاجته”. ورد الآخر بشماتة شيطانية: “نعم، العناية الإلهية -التي كان يشك فيها- أنقذته منا. كنا سنعلن إفلاسه غداً ونفضحه. كان سيعيش ذليلاً متسولاً، لكن الموت خطفه بكرامته”. وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة، وأدركتُ معنى “الرحمة القاسية”؛ الله سمح بموتي ليحفظني من ذل الأرض، لكن واأسفاه، لم أحفظ نفسي من ذل السماء.
هنا، وقد تعرت كل الحقائق، صرختُ بملء كياني، صرخةً تحمل وجع البشرية كلها منذ آدم: “يا صوت الحق، لماذا؟ لماذا نحن هكذا؟ لماذا هذا الشرخ المخيف في طبيعتنا؟ نعرف الحق وتجذبنا الهاوية! نشتهي النور ونتمرغ في الوحل! (الخير الذي أريده لا أفعله، والشر الذي لست أريده إياه أفعل). هل نحن مسيرون للسقوط؟”. ثم توسلت إليه بانهيار: “
نحن مسيرون للسقوط؟”. ثم توسلت إليه بانهيار: “أرجوك.. الآن فهمت! لقد تحطم صنم عقلي. أعدني! لا لأعيش وأتمتع، بل لأتوب. أعطني فرصة واحدة لأعود وأركع عند قدمي الكاهن باكياً. دعني أستخدم فلسفتي لأشهد للحق لا للباطل. فرصة واحدة فقط لأختار الله بإرادتي!”.
نظر إليّ الملاك نظرةً عميقة، لا تحمل قسوة ولا ليناً، بل تحمل “ثقل الحقيقة”، وقال كلماته التي نزلت كالمطرقة على روحي: “أتطلب فرصة أخرى؟ وبأي حق تطلبها؟ أنت تشبه مقامراً مفلساً، دخل إلى قاعة الحياة ومعه ثروة هائلة: أُعطي لك (الوقت)، فقتلته في الفراغ والعبث. وأُعطيت لك (القوة)، فاستنزفتها في اللذة. وأُعطي لك (العقل)، فاستخدمته كسلاح لشرعنة الكبرياء وإنكار الخالق. وأُعطيت لك (النعمة) وصوت الضمير، فدُستهما بقدميك. والآن، بعد أن بددت كل رصيدك، تأتي لتطلب قرضاً جديداً؟ إن مأساة الطبيعة البشرية يا إنسان، أنها لا تطلب (الفرصة) حباً في الخير، بل خوفاً من الألم. أنتم لا تريدون الله، أنتم تريدون النجاة من النار فقط. ولو أعدتك إلى الأرض ألف مرة، لعدتَ إلى خطيئتك ألف مرة. لماذا؟ لأن (الإرادة) التي لم تخضع للحب وهي حرة في زمن الراحة، لن تخضع له وهي مجبرة تحت سوط الخوف. لقد انتهى زمن الزرع.. وهذا هو زمن الحصاد. ولا أحد يزرع وقت الحصاد”.
قلت له بصوت يرتجف: “إذن.. هل ستلقي بي في النار؟”. فأجاب بصوتٍ صار يبتعد تدريجياً، تاركاً إياي لمصيري: “أنا لن ألقيك في شيء.. أنت تحمل نارك في داخلك. الجحيم يا هذا، ليس ناراً خارجية ننتقم بها منك. الجحيم هو (الحقيقة) التي ترفضها، فتتحول في كيانك إلى عذاب. أنت بنيت نفسك من (الوهم) والكذب والكبرياء.. والآن أنت تقف في عالم (الحق المطلق). عقابك الأبدي هو هذا التنافر: ستظل تشتهي (الوهم) الذي عشته، وتطلب (الذات المزيفة) التي صنعتها، بينما تحيط بك الحقيقة من كل جانب. ستحترق لأنك (زيف) في حضرة (الحق). ستظل تبحث عن كذبة لتختبئ فيها، ولن تجد إلا النور.. والنور يحرق الظلام. هذا هو جحيمك: أن يخلد عقلك في الكذبة التي عشقها، محروماً من وجه الله، لأنك أنت من أغلقت الباب من الداخل”. وتلاشى الملاك، وبقيتُ أنا وحيداً، سجيناً داخل نفسي، أحترق بنار الندم على حقيقةٍ عرفتها بعد فوات الأوان، وأبكي على فرصةٍ كانت في يدي، وظننت أنها ملكي إلى الأبد، حتى ضاعت وإلى الأبد.
الواعظ الدكتور رعد الصناع
No Result
View All Result