
يوحنّا المعمدان كان إنسانًا متواضعًا
لقد كان يوحنّا المعمدان إنسانًا متواضعًا، وتواضعه كان ظاهرًا كما رأينا، في طريقةِ عيشه، في لباسه وطعامه، كما في قوله: “يأتي بعدي من هو أقوى منّي الذي لست أهلًا أن أنحني وأحلَّ سيور حذائه”. لكنَّ الأمر الجدير بالانتباه أنَّ تواضعه ونسكه لم يتعارضا مع جرأته وقوَّة شخصيَّته، فقد كان جريئًا في الحقّ! فهو لم يكتفِ بالنُّسك والصلاة والصوم، بل كان صوتًا صارخًا في وجه الفرِّيسيّين والصدوقيّين، ومجلجلًا في ضمائرهم، إذ قال لهم: “يَا أَوْلادَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ” (متّى3: 7-8؛ لو3: 7-8). لم يحابِ الوجوه ولم يهَب الملوك ولا من هم في منصب، إذ وبَّخ هيرودس الملك على شروره ومخالفته شريعةَ الله (متّى14: 4؛ مر6: 18؛ لو3: 19-20).
هكذا كلُّ مسيحيٍّ، سواءٌ أكانَ علمانيًّا أم راهبًا أم إكليريكيًّا، كلٌّ من موقعه، يجب أن يكون صوتًا صارخًا في برّيَّةِ هذا العالم، في وجه الظُّلم والخطأ ومجلجلاً في ضمير المخطئين والظالمين، ينادي بالحقِّ بجرأةٍ، في المجتمع وفي الكنيسة، في بيئته وبين أصدقائه ومكان عمله، في بيته وبين عائلته.
كم نحن بحاجة اليوم إلى وجود العديد من “يوحنّا المعمدان” بيننا! ليكونوا صوتًا صارخًا في وجه كلِّ رئاسةٍ مدنيَّةٍ أو كنسيَّة تضلُّ عن الحقِّ وترتكب الأخطاء وتظلم الناس، أو تمدحُ من ارتكب المظالم والمفاسد. نعم كنيستنا اليوم بحاجة إلى الجرأة في الحقّ وإلى التواضع في الاعتراف بالخطأ.
( الكرمة الأحد 4 كانون الثاني 2026 العدد 1)

“يوحنا المعمدان هو مثال التواضع والطاعة، لم يطلب مجدًا لنفسه بل أشار إلى المسيح قائلاً: ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص”
القديس سيرافيم ساروف
No Result
View All Result