
الزواج: طريق إلى القداسة؟
عندما نرى عنوانًا فيه كلمة “قداسة” نعتقد أنّ المقالة تتكلّم على حياة الدير أو الحياة المكرّسة للرّبّ يسوع المسيح وخدمة كنيسته.
إلّا أنّ الحياة الزوجيّة في الكنيسة حياة مقدّسة أيضًا؛ فالزواج سرّ، أي يحمل معه نعمة الرّوح المقدِّسة.
وهذا ما يجعل من الحياة الزوجيّة خبرةً في ملكوت الله، وهذه الخبرة تبدأ مع بَدءِ خدمة الإكليل عندما يُعلن الكاهن: “مباركة مملكة الآب والاِبن والرّوح القدس”.
يذكر الأرشمندريت إميليانوس رئيس دير سيمونس بترس في الجبل المقدّس أنّ “في الزواج، كما في الحياة الرهبانيّة، اندفاعًا أخرويًّا، وأنّ لهما طريق ارتقاء واحدًا نحو الكمال والفردوس الذي دخلناه، وننمو فيه ونتقدّم”.
يقول الربّ يسوع: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (متّى 18: 20).
وعندما يتّحد الرجل والمرأة في سرّ الزواج يكون المسيح في وسطهما، ويتّحدان به، ويتعاونان من أجل خلاص نفسيهما وعائلتهما، ويصبحان معًا العلامة التي تحوي المسيح، وتعبّر عنه. عندما يعي الزوج والزوجة هذا الأمر يظهران المسيح في حياتهما معاً، وكما يعبّر الأرشمندريت إميليانوس، يغدوان “ظهورًا إلهيًّا” (theophany).
وهذا من عمل الرّوح القدس فيهما، الروح الذي يجعلهما يتجلّيان في حياتهما الزوجيّة، ويؤلّههما. لذا، يُدخل سرّ الزواج الرجل والمرأة في نعمة الحبّ الإلهيّ، الحبّ الذي على مثال المسيح الذي يبذل نفسه من أجل أحبّائه، الذي يُخلي ذاته من أنانيّته ساعيًا لغسل رِجلَيِ الآخر بتواضع المحبّة. “ومن حفظ كلمة الله، فحقًّا في هذا قد تكمّلت محبّة الله” (1 يوحنّا 2: 5).
من يحفظ كلمة الله، أي يؤمن ويطبّق إيمانه بواسطة نيّات صادقة وأفعال واضحة، هذا يكتشف الحبّ الكامل الحقيقيّ وتخلّصه نعمة الرّبّ. هكذا يتحقّق الاتّحاد الزوجيّ بالحبّ الإلهيّ، ويصير الرجل والمرأة جسدًا واحدًا بالمسيح يسوع الواحد.
يسوع المسيح هو الحبّ الصائر من قبل إنشاء العالم. لهذا، فالزواج بالمسيح هو طريق الحبّ والخلاص. تبدأ الطريق على الأرض، وتنتهي في السماء. المسيح نزل من السماء وفتح الطريق المصعدة إلى السماء.
وفي الطريق يُظهر المسيح لنا حبّه، كما أظهر مجده لتلاميذه في عرس قانا الجليل، أو مع تلميذي عمواس، وخبرة هذا الحبّ الإلهيّ تغيّرنا، تجعلنا نتوب ونتنقّى، فننمو بحبّ الله، ويتحوّل حبّنا الأرضيّ الذي بدأنا به حياتنا الزوجيّة إلى حبّ أسمى، حبّ المسيح الذي لا نهاية له.
هذه مسيرة خلاص الإنسان. إنّ هذا لسرّ عظيم، سرّ المسيح والكنيسة.
الاختلافات في الحياة الزوجيّة أمر لا بدّ من حصوله، لأنّ كلّ إنسان فريدٌ في شخصه وحرٌّ في إرادته. كلّ من ينوي الزواج لديه توقّعات حول الآخر، توقّعات سامية أحيانًا، غير واقعيّة، والعشق يُعمي الإنسان عن رؤية عيوب الآخر.
هذا ما يحدث إجماًلا، فيكتشف الإنسان، خلال السنوات الأولى من المعرفة الزوجيّة الحميمة، ضعفات الآخر، وينفضح كلّ ما يحمله الآخر من تربية ناقصة وخبرة حياة متعثّرة، وخطايا متنوّعة وعقدٍ نفسيّة، وميلٍ نحو الرّوح الاستهلاكيّة، والرّوح الفرديّة،
روح هذا العالم الذي نتخبّط بطرده منّا كل يوم…
إنّها ميول أهواء الانسان المنحرفة، إنّها الشّهوات الساقطة المريضة في أنفسنا، كالتكبّر، والجشع، والغضب، والكسل، والأنانيّة، وعدم الحسّ، واليأس، والحسد، والبخل… إلخ، والتي تنبع من قلب الإنسان (مرقس 7).
وهذا الاكتشاف الصاعق لخطايانا (والذي يتّضح لنا بسبب انتقاد الآخر لنا) وخطايا الآخر يجعل الكثيرين من المتزوّجين أمام مواجهة حادّة في داخلهم ومع الآخر، تتلاعب بها العواطف الجيّاشة كما تضرب العواصف في عزّ الشتاء.
وهكذا، بدلًا من اللّجوء إلى الله، يتراجع الزوج أو الزوجة عن متابعة حياتهما الزوجيّة المتقهقرة.
ولكن، هل الزواج أصلًا هو كعقد شراء سيّارة اكتشف صاحبها لاحقًا عطلًا فيها، فأرجعها إلى الشركة من حيث اشتراها؟!
كلّا، ليس هذا سبيل حلّ الاختلافات التي تتطوّر وتصبح خلافات.
ما هو، إذًا، السبيل الذي يعطي الزواج حياة قداسة وسلام؟
السبيل هو الرجوع إلى الله، مؤسّس الزواج وواهبه، إلى ينبوع الرحمة والحنان والحبّ.
فالله أعطى سرًّا آخر يرافق حياة المتزوّجين ويُريحهم، ألا وهو سرّ التّوبة والاعتراف، الذي يشفيهم، بنعمة الرّوح القدس وبواسطة الأب الروحيّ، من جِراح خلافاتهم المتعبة ويعتقهم من نير خطاياهم المرعبة، ويعطيهم نعمة الصبر واليقظة واحترام الآخر وتقبّله، واحتمال المشقّات، والسّلام، والفرح، والحبّ الإلهيّ. إنّه صليب المسيح المعطي الحياة والمفيض الشفاء.
لماذا الالتجاء إلى المسيح وصليبه؟
لا يوجد ضمن خدمة الإكليل كلمات تعهّد في الكنيسة الأرثوذكسيّة، وذلك لأنّ التزام الزوجَين هو للمسيح أوّلًا، فالمسيح، بشخص الكاهن، هو الذي يبارك اتّحاد الزوجين.
هذا الاتّحاد هو هبة الله للزوجَين؛ عندما يتّحد كلّ واحد منهما بالمسيح المخلّص، يتّحدان بعضهما ببعض في المسيح.
وهكذا، عندما ينال الزوج أو الزوجة الغفران من الله، ويتذوّقان الحبّ الإلهيّ غير المحدود، يلتفت الواحد نحو الآخر بنظرة عبد شكور ورحوم ترك له سيّده الدَّيْن الذي كان عليه،
فيترك بدوره الدَّيْن المستحقّ للآخر أيضًا، على مثال سيّده. هكذا يكونان على درب القداسة وينموان في الحبّ الإلهيّ، ويعيشان ملكوت الله في داخلهما. هذه طريق الحياة بأكملها.
إنّها طريق التّوبة، سلّم مصعدة إلى السماء، يصعد عليها رجل وامرأة مشبوكيّ الأيدي، فإذا وقع أحدهما سانده الآخر بقوّة المسيح…
No Result
View All Result