
القديسة تريزا الأفيليّة، معلّمة الكنيسة، ترى جهنّم ومكانها الخاصّ فيها لو لم تَتُب!
وتؤكّد أنَّ جهنّم ***مكانٌ*** وحالةٌ في الوقت نفسه، وأنّ هذه الرؤيا كانت إحدى أكبر النعم من الله، (لا كما يِعظُ اللّيبراليّون في الكنيسة اليوم)
1- الرؤيا
ذات يوم كنتُ مستغرقةً في التأمّل، فشاهدتُ نفسي فجأةً وكأنّني غائصةٌ بكلّيّتي في جَهنّم.
فهمتُ أنّ الرّب يريدني أن أرى المكان الذي أعدَّهُ لي الشياطين هناك والذي استحققتُه بخطاياي. دامت الرؤيا طرفة عين، ولكنّ يستحيل عليّ نسيانها.
كان المدخلُ شبيهاً بزقاق طويلٍ جداً وضيّق، على شكل فرن مُنخفضٍ، مُظلم وخانقِ. بدَتْ أرضُه مِن وحلٍ قذرٍ جدًّا نَتِنُ الرائحة، تَعجّ فيه حَشراتٌ كريهة. رأيتُ في أقصى المدخل تجويفٌ في الحائط على شكل خزانة، وُضعِتُ فيه حيثُ ضُيِّقَ على نفسي.
أمّا ما عانيتُه، فلا أظنُّ أنّه يُمكن التعبير عنه أو فهمه: لقد شعرتُ في نفسي بنارٍ أعجزُ عن تحديدها أو وصفها. إنّ الآلام الجسدية التي لا تُحتمل، وقد عانيتُ منها في هذه الحياة أخطرها وأشدها ألماً بشهادة الأطباء -كتقلّص أعصابي جميعها،حين تيّبَسَتْ مفاصلي، إضافةً إلى عذاباتٍ أخرى مِن صنع الشيطان- كلّ تلك ليست شيئاً مقابلَ ما شعرتُ به في جهنّم، ناهيك عن معرفة أنّها ستكون بلا نهاية ولا تَوقُّفٍ للحظة!!
حتّى هذه الآلام الجسديّة في جهنّم ليست بشيءٍ إذا قورنت بنزاع النفس هناك؛ إنّه ضغط واختناق وجَزَعٌ (رُعب) مُوجِع، وحزنٌ يائسٌ مؤلمٌ للغاية لا أحسن التعبير عنه.
وإن قُلنا وكأنَّ أحدًا يَنزعُ روحكَ منِكَ بشكلٍ مستمرٍّ لا يتوقّف، بدا ذلك قليلٌ، إذ إنّ النّفس هي التي تُمزّق ذاتها بذاتها.
الحقيقة أنّني أعجز عن وصف تلك النّار الداخلية، وذلك اليأس الذي يفوقُ أشدّ العذابات والآلام.
لم أستطع رؤية من كان يُسبّبها لي، لكنّني شعرت وكأنني أُحرَق وأُقطَعُ إرباً. في ذلك المكان النّتن، حيث لا أمل في أيّ عزاء، لا مجال ولا فسحةٌ للجلوس أو الاضطجاع، فقد وضعوني في ما يشبه حُفرةً في الجدار. جُدرانٌ وحدها تثير الرّعب في النفس وتضغط عليها، وكلُّ شيء يُخنُق. وأنا لا أفهم كيف يُرى واضحاً كلّ ما يؤذي النّظر، رغم انعدام النور والظّلمات الحالكة.
لم يشأ الربّ أن أرى مِن جهنم أكثر ممّا رأيت. وحَصلَتْ لي فيما بعد رؤيا شاهدتُ فيها أشياء مُرعبة، وعقوبات بعض الرّذائل. بَدتْ لي العذابات رهيبة المنظر، لكنّي لم أشعر بها، فما أخافتني كثيرُا.
2- فوائد هذه الرؤيا
لقد أدركتُ جيّداً أنّ رؤية جهنّم كانت نعمةً كبيرة، وأنّ الربّ أراد أن أرى بعينيّ ممّا أنقذَتْني رحمته. فالسّماع عن عذاب جهنّم أو التفكير بها: كتمزيق الشياطين للجسد، أو أيّة عذاباتٍ أُخرى… لا يُعَدُّ شيئًا أمام عذاب جهنّم الحقيقيّ. وخلاصة القول: إنّ الفرق بين السمع والواقع كالفرق بين الصّورة والحقيقة؛ ولفح النار في هذه الدنيا أمرٌ يسير إزاء نار الجحيم.
لقد روّعني المشهد ترويعًا، وفيما أنا أصِفه بعد ست سنوات ما زلتُ مذعورة، وإخالُ الدّم يُجمَّدُ في عروقي. يبدو لي أنّ ما عانيتُه من مِحن أو آلام، حتّى كلّ ما نعانيه على الأرض صغيرٌ جدًا مُقارنةً بهذا، لذا أعتقد أنّ تذمّرنا لا مُبرِّرَ له. وأكرّرُ القول، تلك كانت مِن أكبر ما وهبني الربُّ من نعمٍ، لقد كانت ذات فائدة عظيمة لي، إذ أزالَتْ عنّي كلّ خوفٍ من مَصائب هذه الحياة وبلاياها، وقوّتْني على تحمّلها وشُكرِ الربّ الذي أؤمن الآن أنّه أنقذني من هذه العذابات الأبديّة الرهيبة.
لَكم حرَّرْتني، ربّي، من هذا السّجن الحالك الظلام، فكنتُ أعودُ فأدخله خلافاً لإرادتك!
إنفطر قلبي من تلك الرؤيا شفقةً على النفوس العديدة الهالكة (خصوصاً اللّوثريين لأنّهم كانوا بالعماد أعضاء الكنيسة)، وكسبتُ اندفاعاً شديدُا لفائدة النّفوس؛ فأنا على يقينٍ من أنّني مستعدة، عن طيب خاطر، لتكبّدِ ميتاتٍ عديدة لأنقذَ نفسًا واحدة من تلك العذابات المريعة.
فلنُشفِقْ على النفوس الهالكة (أو السّائرة نحو الهلاك) أكثر من الشفقة على النفوس المتألّمة على الأرض.
هذه الحقائق الأبديّة إذًا ما يبثُّ فينا غيرةً على خلاص النفوس، لا المحبّة الشيطانيّة المزيّفة التي تقول: “ما تخوفوا العالم”
ترجمة وإعداد: صفحة قلب مريم المتألم الطاهر
No Result
View All Result