بستان الرهبان: تدبير الروح: 3 /7 الهدوء: ثانياً – سكون الفكر

سكون الفكر شروطه  

 

( أ ) حفظ الحواس

+ قال شيخ :

” ينبغي للمتوحد في قلايته أن يكون له افراز ومعرفة وحرص وتيقظ ، كما يكون ضابطا لحواسه حافظا لعقله ، لا يفكر في إنسان ، ولا يفتر في الصلاة والقراءة “


+ قال القديس يوحنا القصير :

” كن ظاهرا مترتبا في لبسك . ليكن نظرك مطرقا إلى أسفل وفكرك فوق عند ربك . لا تملأ عينيك من وجه إنسان ولكن بتهيب وخوف تبسيط نظرك كن شبه عذراء زكية واحفظ نفسك للمسيح ولا تشته الأصوات مثل الأحداث ” .

+ جاء عن الأب الاديوس
أنه أقام بالأسقيط 20 سنة بقلاية ، لم يرفع عينيه لينظره ” .

+ وقيل عن الأم سارة :

” أنها كانت ساكنة فوق النهر 60 سنة لم تطلع البتة لتنظره” .


+ وقال شيخ :

” تحفظ من النظر والحديث ، لأنهما أسباب الخطية ” .


+ وقال آخر :

 ” الإنسان المنتبه يستطيع أن يحفظ الإنسان الجواني فلنجاهد كي نحفظ انساننا .


+ قال أنبا افرآم :

” أن أحد الاخوة سأل أخا له قائلا : أن الأب أمرني بالمضي إلى المخبز لنخبر خبزا برسم الأخوة ، ولما كان عمال المخبز علمانيين يتكلمون بما لا يليق ، فلست انتفع من سماع ما يقولونه ، فماذا أصنع ؟ ” .

فأجابه قائلا : ” أما رأيت في المكتب ( الكتاب او المدرسة ) صبيانا كثيرين ، وكيف أن كل واحد منهم يقرأ مالا يقرأه رفيقه لعلمه أن معلمه يطالبه فقط بإتقان ما يختص به ولا يطالبه بإتقان ما يختص بغيره ” .

فإن كنت أنت تنهزم للآلام بمجرد سماعك فظيع الكلام ، فاستمع لقول القائل : ” أمتحنوا سائر الأشياء وتمسكوا بأحسنها ” .

+ وقال أيضاً :

” وما لنا وللعالم ، ما لنا بمعاملاته ؟ نحن قد متنا عن العالم ، كل منا بأكلة يسد جوعه ، وأيدينا تساعدنا على خدمة جسدنا بمعونة الله لنا ، لأنه قال : لا يوجد متجند يقوم بنفقة نفسه بانشغاله في أمور الحياة ، إذ كيف يستطيع وهو مشغول أن يرضي قائد الجيش ومليكه ” .

( ب ) جمع العقل

+ قال القديس يوحنا القصير :

– إن فكر الإنسان آنية لله وله الاستطاعة أن يقطعه كي يمكنه أن يجلس في القلاية ، أما أن جعله الإنسان
وعاء لحديث العالم فلن يستطيع أن يجلس في القلاية .

– اذا مشيت لا تدع عقلك يدورولكن متجمعا قدامك .

– لتكن نفسك متيقظة لخدمة الله وليكن عقلك متجمعا عند ربك .


+ سئلت القديسة ثيئودورا :

-كيف يمكن للإنسان أن يقبل حديث العلمانيين وأن يكون عقله مع الله فقط كما كتب ؟

فقالت : يشبه هذا إنسانا جالسا على مائدة وعليها أطعمة كثيرة ، فإن أكل منها بشهوة ورغبة أثم ، وإن لم
يأكل منها بشهوة ورغبة فليس عليه ذنب فيما يأكله . وهكذا كلام العلمانيين إذا سمعته ويكون قلبك معك ، ولا تسمعه بلذة فما يضرك شيء .


+ سئل شيخ :

” كيف ينبغي للمتوحد أن يسكن في قلايته ؟ ” .


فقال الشيخ :

” ليكن له عدم اهتمام بذكر إنسان أصلا ، ويحفظ عقله من الطياشة ، كما يذكر الله دائما ” .


+ وقالت القديسة سفرنيكي :

” قد يمكن أن يكون الإنسان مع كثيرين وهو منفرد بالضمير والهمة والنية وقد يكون الإنسان وحده وهو منصرف بالذهن مع الكثيرين ” .


+ قال الأب أوغاريتوس :

”  إذا كنت جالسا في قلايتك فاجمع عقلك ، واذكر يوم خروجك من الدنيا وتفطن في موتك ، وتفهم التجرية التي تحل بك ، والزم التعب لترضي الله واحتقر أمور هذا العالم الباطل ، ليمكنك أن تكون في الصمت دائماً ، ولا تضعف . وأذكر أيضاً يوم القيامة ولقاء الله ، وذلك الحكم المفزع ، وما ينال الخطاة من الخزي أمام الملائكة والقوات وجميع الخلائق ، واذكر الجحيم وفكر في الأنفس التي تصير فيه ، وأي مرارة هناك ، وأي فزع وضيق يقاسيه الخطاة ، بلا منفعة من ذلك البكاء النفساني الذي ليس له انقضاء ، والعذاب الدائم في النار التي لا تطفأ ، والدود الذي لا ينام ، والظلمة القصوي وصرير الأسنان ، واذكر أيضاً الخيرات المعدة للقديسين ، والفرح الدائم في ملكوت السموات ، والنعيم الأبدي ، وكن دائما متذكرا الفريقين ، أما على الخطاة فابك ونح ،وجاهد ألا تصير إلى ما صاروا اليه ، وافرح بما أعد للصديقين ، وأحسد سيرتهم وأعد نفسك لتدرك ما ادركوه ، انظر  ، لا تنس لك ، اذا كنت داخل قلايتك أو خارجها ، لكيما تقاتل الأمراض الردية بهذه الذكريات العتيدة ” .

( جـ ) الهذيذ

+ قال مار اسحق :

الهذيذ بأمور كثيرة ، غذاء للنفس ، سواء كان صالحا أم طالحا أم خليطا منها . الهذيذ بالواحد هو الانحلال من الكل ، والانحلال من الكل هو الارتباط بالواحد .


+ قال القديس يوحنا القصير :

– كن عاقلا في تدبيرك واهتم بقراءة الكتب لكي تعلم كيف تكون مع الله . 

– لا تختر أن تكون متعب الجسد فقط وفكرك في الباطل . لأن هذا ليس وحده المطلوب منك ولكن أفرح تدبيرك بقدر ساعة قراءة وساعة صلاة وساعة عمل . لكي تضيء من القراءة .

وفي صلاتك ليس القيام الظاهري فقط هو الذي يريده الرب ولكنه يريد الفكر الحكيم الذي يعرف كيف يدنو الي الكمال .

– داوم علي قراءة كتب الأنبياء لأنك فيها تعلم عظمة الله وأفعاله وعدله وقوته وأدرس كتب المبشرين بالجديدة ( العهد الجديد ) لأنك منها تعلم رحمة المسيح وخيريته ( فضله ) ونعمته .

– الزم القراءة أفضل من كل عمل لأنه ربما دار العقل في الصلاة ، أما القراءة فأنها تجمعه .


+ قال شيخ :

” الترتيل وطول الروح والرحمة تسكن الغضب ” .

( د ) التواضع

+ مرة قال القديس يوحنا القصير للأخوة :

” من باع يوسف ؟ ” فقالوا له : ” أخوته ” فقال : ليس أخوته ولكن اتضاعه هو الذي باعه . لأنه كان قادرا أن يقول للذي اشتراه أنه أخوهم لكنه سكت وباتضاع بيع ، وبذلك الاتضاع صار مدبرملك مصر .


+ وقال أيضا:

يجب قبل كل شيء أن نقوم بالتواضع لن هذه الوصية هي الأولى ، التي قال ربنا عنها : ( طوبي للمساكين
بالروح فأن لهم ملكوت السموات ) لأن آباءنا اذ كانوا يفرحون بشتائم كثيرة ، دخلوا الي ملكوت السموات . الاتضاع وخوف الله هما أعظم جميع الفضائل .


+ سأل أخ الأب سيصوي قائلا :

” إذا مشينا في طريق ، ضل مهدينا فهل ينبغي أن ننبهه ؟ ” فقال له الشيخ : ” لا “

قال الأخ : ” هل نتركه أذن يضلنا ؟ ” .


فأجابه الشيخ :

” وماذا نعمل إذن ، أنأخذ عصا ونضربه ؟ أني أعرف أخوة كانوا قد ضلوا ، فجاهد كل واحد منهم ألا يتكلم ، فلما أضاء النهار علم مرشدهم بانه قد ضل الطريق  ، فقال : ” أغفروا لي قد ضللت الطريق ، فقالوا له كلهم : ” لقد علمنا ، ولكننا سكتنا ” ، فلما سمع ذلك تعجب ، وقال : ” أن أخوتنا تمسكوا حتى الموت على ألا يتكلموا ” وسبح الله ، وقد كانت مسافة الطريق التي مشوها
12 ميلا .

+ وحدث لما كان القديس أورانيوس مبتدئا ، أنه مضي إلى أحد الشيوخ وطلب منه طلمة فأجابه الشيخ : ” أن آثرت الخلاص ، فإذا اتفق وجودك عند انسان فلا تبتديء أنت بالكلام من قبل أن تسأل ” . وإذ أدرك معنى الكلام ، ندم وصنع مطانية للشيخ وقال: ” لقد درست كتبا كثيرة ، ولكن مثل هذا الأدب لم أعرف بعد ” وانطلق بسلام منتفعا .

+ ثلاثة شيوخ كانت لهم عادة في كل سنة أن يمضوا الي الأنبا انطونيوس فكان أثنان منهم يسألونه عن الأفكار وعن خلاص نفسيهما . أما الثالث فلم يسأله زمانه كله عن شيء البتة . وبعد زمان طويل قال له الطوباوي : هذا الزمان كله تجيء عندي وما سألتني عن شيء . أما هو فقال له : يكفيني نظري إليك يا أبي .

( هـ ) الصوم والسهر

+ قال القديس يوحنا القصير :

إذا أراد ملك أن يأخذ مدينة الأعداء فقبل كل شيء يقطع عنهم الشراب والطعام وبذلك يذلون فيخضعون له ، هكذا أوجاع الجسد إذ ضيق الإنسان على نفسه بالجوع والعطش إزاءها فإنها تضعف وتذلل له .

ومرة سألوه : ما هو عمل الراهب ؟ فقال : تعب الجسد وضيق البطن وغلبة الإرادة .


+ وقال أيضاً :

– أن الأسد شجاع مهاب ولكنه من أجل شهوته ورغبته يقع في الفخ ، فتبطل قوته ويصيرهزءا للناس ، كذلك الراهب إذا فقد قانونه وتبع شهوته أهلك وقاره وصار هزءا لكل أحد . فيجب على الراهب كل يوم ، إذا قام بالغداة أن يتخذ لنفسه وصية إلهية وأن يقتني طول روح واحتفاظا من القلب وصلاة دائمة مع طهارة لسان ، وأن يجعل نفسه تحت كل الخليقة بالابتعاد عن كل الهيوليات .

– من أمتلأ من الطعام وتحدث مع صبي فقد معه بفكره فاختر السهر أفضل من الأعمال وذلك مع الصوم . لأن السهر يضيء العقل ويقلل الحلام ، والصوم يذل الجسد وهو معين أكثر من كل الأعمال .