آية عرس قانا الجليل
المسيح يبدّل وجه العالم عبر خدمة الكنيسة
الأحد 18 شباط 2007
أحد مدخل الصوم
من إنجيل القديس يوحنا 2/1-12.
قال يوحنا الرسول: في اليوم الثالث، كان عرس في قانا الجليل، وكانت أم يسوع هناك. ودُعي ايضاً يسوع وتلاميذه إلى العرس. ونِفذ الخمر، فقالت ليسوع أمهُ: ” ليس لديهم خمرْ”. فقال لها يسوع: ” ما لي ولك، يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد!”. فقالت أمه للخدم: “مهما يقل لكم فافعلوه!؟. وكان هناك ستة أجران من حجر، معدّة لتطهير اليهود، يتسع كل منها من ثمانين إلى مئة وعشرين ليتراً، فقال يسوع للخدم” ” إملأوا الأجران ماءً “. فملأوها الى فوق. قال لهم: ” إستقوا الآن، وقدموا لرئيس الوليمة”. فقدموا. وذاق الرئيس الماء، الذي صار خمراً- وكان لا يعلمُ من اين هو، والخدمُ الذين استقوا يَعلمون- فدعا اليه العريس وقال لهُ: “كل إنسان يُقدم الخمر الجيد أولاً، حتى إذا سكر المدعوون، يقدم الاقل جودة، أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيد إلى الآن!”. تلك كانت أولى آيات يسوع، صنعها في قانا الجليل، فأظهر مجده، وآمن به تلاميذه.
***
تفتتح الكنيسة زمن الصوم بآية تحويل الماء إلى خمر كليّ الجودة، للدلالة أنه زمن التحوّل والتغيير بنعمة المسيح الشافية وبكلامه المحيي والمنير، وبهبة الروح القدس التي تسكب المحبة في القلوب. أما الصوم، بالامتناع عن الطعام من منتصف الليل إلى الظهر، وما يرافقه من إماتات وصلوات وسماع لكلام الله وأعمال محبة ورحمة، فهو السبيل والوسيلة لإعداد الذات للتحوّل والتغيير. أن تتم آية تحويل الماء إلى خمر في بداية حياة يسوع العلنية، وفي مناسبة عرس، ذلك يدلّ على أن المسيح آت لفعل خلق جديد، لترميم صورة الله في الإنسان، وأنسنة المجتمع، وإعادة بهاء الخالق إلى خليقته، وبهذا يرسي اسس السلام. إن المسيح في هذا العمل يعيد حياة الشركة بين الناس والله المعروفة بملكوت المسيح الذي بدأ مع الكنيسة ليكتمل في نهاية الأزمنة. في عرس قانا ترتسم ملامح سرّ الكنيسة ورسالتها، وسرّ الزواج وكرامته.
***
أولاً، مضمون اللوحة الإنجيلية.
1. في آية قانا تجلّى سرّ ملكوت المسيح
” كان عرس في قانا الجليل وكان يسوع وأمه وتلاميذه هناك”.
ملكوت المسيح هو سرّ الله الذي دخل، بواسطة الابن المتجسّد يسوع المسيح، إلى العالم المخلوق، إلى التاريخ الزمني، ليصير معه حقيقة واحدة. هذا الملكوت بدأ مع الكنيسة كنواة له وتلألأ في عيون الناس في كلمات يسوع وأعماله وحضوره. الكنيسة هي “ملكوت المسيح” الحاضر سرياً في هذا العالم (الدستور العقائدي في الكنيسة 4 و5).
العرس في قانا هو المجال الأول حيث بدأ يسوع الرسالة الموكولة إليه من الآب وقد حانت ساعتها عند طلب أمه: ” ليس عندهم خمر”. فأجرى الآية وأعلن البشرى الجديدة أي حلول ملكوت الله الموعود في الكتب منذ أجيال، ” فأظهر مجده وآمن به تلاميذه”. بالحقيقة من يقبل كلام المسيح، يقبل الملكوت نفسه.
عرس قانا صورة مصغرة عن الكنيسة: يسوع رأسها والتلاميذ نواتها، ومريم أمها، والجماعة الحاضرة شعبها. الماء المحوّل خمراً استباق للافخارستيا ولتحويل الخمر إلى دمه المراق لفداء البشر. العروسان أول كنيسة مصغرة بيتية، العرس في قانا هو أول زواج كسرّ بعد زواج يوسف ومريم، الخمرة الجيدة هي الشريعة الجديدة، شريعة النعمة والمحبة التي هي هبة المسيح للكنيسة بالروح القدس.
أ- يسوع رأس الكنيسة وفاديها حاضر فيها بشخصه وعطيته، وهي متمثلة بالتلاميذ في عرس قانا مع العروسين والمدعوين. يواصل حضوره فيها جيلاً بعد جيل، عبر سرّ الأفخارستيا بقوة كلمته: “ خذوا كلوا هذا هو جسدي، خذوا اشربوا هذا هو دمي”، وبقوة الروح القدس الذي حلّ على الخبز والخمر، متزامنا مع كلام الرب على لسان الكاهن، فيحولهما الى جسد المسيح ودمه، ويحوّل الجماعة الى جسده السرّي: ” وليأتِ روحك الحي القدوس ويحلّ علينا وعلى هذا القربان، فيجعل بحلوله هذا الخبز جسداً محيياً وهذا الخمر دماً محيياً، لمغفرة الخطايا والحياة الأبدية لمن يتناولونه، ويثمر ثمر الأعمال الصالحة، ويثبّت الكنيسة المقدسة على صخرة الإيمان” ( نافور مار بطرس في القداس الماروني). من الأفخارستيا ينتشر حضوره في الكنيسة والعالم بأشكال شتى: في كلام الإنجيل وتعليم الكنيسة، في صلاة الجماعة ( متى 18/20)، في المحتاجين، الفقراء والمرضى والأسرى (متى25/31-46)، في الأسرار السبعة، في شخص الكاهن، خادم المسيح القيّم على نعمة أسراره (1كور4/1) وسفيره المؤتمن على المصالحة مع الله (2كور5/20) (الدستور المجمعي في الليتورجيا7).
ب- مريم أم يسوع وأم الكنيسة حاضرة فيها تشفع من أجل اعضاء جسد ابنها، البشر المفتدين بدمه: ” ليس عندهم خمر”. تلتمس تدخل ابنها، الوسيط الوحيد بين الله والناس، هي التي جعلت نفسها ” آمة الرب”، المستعدة لخدمة عطاءاته المجانية، النابعة من استحقاقات المسيح ابنها. في وساطتها وتشفّعها تدعم اتحاد المؤمنين المباشر بالمسيح: ” افعلوا ما يقول لكم”. إن وساطتها مرتبطة بأمومتها الحاضرة بدون انقطاع في الكنيسة، حضور الوسيط الذي يتشفع. ولهذا تدعوها الكنيسة: ” المحامية والمعينة والمغيثة والوسيطة” (الدستور العقائدي في الكنيسة62). مريم الحاضرة في الكنيسة هي مثال الإيمان والمحبة في اتحادها الكامل بإرادة الآب، وعمل الفداء الذي يتمه ابنها، والهامات الروح القدس، بل هي التحقيق النموذجي لسرّ الكنيسة (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 967). وهي علامة رجاء أكيد وتعزية أمام شعب الله المسافر في هذا العالم وسط المحن والضيقات، وفي الوقت عينه تمثل الكنيسة وتدشن اكتمالها في مجد السماء (المرجع نفسه 972).
“ما لي ولك يا امرأة” كلمة أظهرت شفاعة مريم التي لا تُرد، تدخل في صميم تدبير الله الخلاصي، بفضل ما كانت تتميز به من ايمان ورجاء ومحبة: ” افعلوا ما يقوله لكم”. ألم يمتدح السيد المسيح إيمان المرأة الكنعانية، والمرأة النازفة، وقائد المئة، وأجرى المعجزات المطلوبة؟ سمّاها ” امرأة” لا ” أمي”، ليعيدها الى اساسها البيبلي في سفر التكوين، إلى “المرأة” التي تعادي الشيطان الحية والخطيئة والشر والتي ستعطي الحياة الجديدة بشخص الفادي ابنها ( تك 3/15)،كما يعيدها في إنجيل يوحنا إلى “المرأة” التي تصبح أم جميع البشر المفتدين بذبيحة الصليب، الحاضرين بشخص التلميذ الطاهر يوحنا (يو19/26)، وفي سفر الرؤيا إلى ” المرأة” التي تحارب تنين الشيطان والأشرار، لحماية ابنائها المسافرين في بحر هذا العالم، حافظين وصايا الله، ومؤدّين الشهادة ليسوع المسيح (رؤيا 12/17-18).
ج- التلاميذ وايمانهم بالمسيح هم نواة الكنيسة: ” أظهر لهم مجده فآمنوا به”. الكنيسة هي مكان قبول الإيمان والتربية عليه. فهي تحفظ ذكرى كلمات المسيح، وتنقل من جيل إلى جيل إيمان الرسل. وكأم تعلمنا نحن أبناءها لغة الإيمان، وتقودنا الى فهمه وإلى العيش بمقتضاه. ولهذا يدعوها بولس الرسول “عامود الحق وأساسه” (1تيمو3/15). هذا يعني أن الكنيسة هي باب الخلاص ومكانه وأداته، ذلك ان المسيح هو وسيط الخلاص وطريقه وهو حاضر في الكنيسة جسده. ولهذا ردد آباء الكنيسة ” لا خلاص خارج الكنيسة”. غير أن الذين يجهلون إنجيل المسيح والكنيسة عن غير خطأ من قبلهم، لكنهم يبحثون عن الله بقلب صادق، ويسعون، بتأثير من نعمته، الى العمل بشكل يرضي إرادته، كما يكشفها لهم ويمليها عليهم ضميرهم المستنير، هؤلاء يستطعون الدخول إلى الخلاص الأبدي (الدستور العقائدي في الكنيسة 16، التعليم المسيحي للكنيسة الكماثوليكية 846-848). أما الكنيسة فمن واجبها أن تعلن الإنجيل إلى جميع الناس: ” انطلقوا إلى العالم كله، ونادوا بإنجيلي في الخليقة كلها… وهم خرجوا وبشروا في كل مكان” (مر16/15 و20).




