المصباح الرهباني
الباب السادس: في الصبر
الصبر هو اقتبال الصعب والهيّن بالسواء. وهو ضروري لسيرة العبادة جداً، كقول الرب: من يصبر للمنتهى يخلص. الذي معناه، بالنتيجة، من لا يصبر لا يخلص. وقال أيضاً: بصبركم تقتنون نفوسكم، أي بالصبر تقتنون الفضائل المانحة الحياة لأنفسكم. فيتضح من هذا أنّ الصبر ليس هو الكمال، بل موصل إلى الكمال. وهو على ما قال الآباء، ينقسم إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: وهي الإحتمال بتعب
الدرجة الثانية: وهي الإحتمال بغير تعب
الدرجة الثالثة: وهي الإحتمال بفرح
:ولنتكلم في واحدة فواحدة منها
الدرجة الأولى
الإحتمال بتعب
الإحتمال بتعب هو إقتبال ما نكره، كما يقال عن الرب تعالى، أنه يحتمل خطايانا، والرسل والآباء جميعاً يوصوننا بإحتمال بعضنا بعضاً، أي باحتمال أثقال بعضنا بعضاً. لأن المحتمل ما ليس فيه ثقل وكراهة فذاك ليس بمحتمل ولا صبور البتة، سواء كانت الصعوبة من قبل غيره أو من قبل ذاته. فالكل يُسمى إحتمالاً وصبراً. فمتى ما لحقك العناء من قبل ضجر النسك والعبادة مطلقاً، أو من قبل الطاعة وقطع المشيئة، واحتملت، وكان ذلك على ما يرضي الرب، فأنت محتمل وصبور؛ وإذا كان لغرض لا يرضي الرب، فلست بصبور. لأنّ شرط الصبر أن لا يكون بهائمياً في غير ناموس الرب، كما جاء عن أحد الإخوة، أنه قال للأب بيمين: يا أبانا في الموضع الذي أنا فيه لي خسارة كبيرة. فأجابه الشيخ: إبتعد منه مدى ثلاثة أيام. أي لا يجوز أن تصبر موضعاً يلزم فيه قطع أسباب الخطر والخطأ، لأن ذلك سقطة لا يحتملها الصبور. وما عدا ذلك يحتمل كل شيء حتى السقطات، كقول القديس السلّمي: إنّ الصبور يسقط وبالسقطات يخترع الظفر. أي مهما عرض له من نوائب جسدانية وروحية، من حيث أنها كرهية، يحتملها ولا يظهر من قبلها في ذاته، ألم الغيظ والحزن والسجس والتذمر، بل يظهر كل طول روح وإماتة النفس في غايتها، كما يقول أيضاً: إذا إستقنيت عكازة الصبر فستنقبض الكلاب عن وقاحتهم. أي كما أنّ الكلاب تنهزم من الذي بيده العصا وتنبح عليه من القريب والبعيد، هكذا الآلام تهجم على الصبور وتخيفه فيما يبعده من الحب وطول الروح والطاعة والإماتة وأمثال ذلك، لكنه لا ينغلب لها بل يغلبها ويطرحها من الدنو منه.
ومن هنا قال الحكيم إنّ الصبور يتكلم بالنصرات وهو أعظم ممن يفتح المدن كونه يهزم كل ضجر وحزن وكسل يلمّ به ويثبت في مقارعة الصعوبة كأنه بغير صعوبة، لكنه في الإبتداء يتعب ويتمرمر في مدافعة المرار لأنه ناتج عن الخوف من الله. ومن العادة إن فاعل الخوف يتوجع في تهزيم توجع الغيظ والحزن، كقول القديس السلّمي: الصبر هو تعب النفس لا تزعزعه البتة وجبات واضحة حجتها قد عدم أن ينفصل متفسخاً. أي يتعب لكنه لا ينغلب، وربما يُظهر بعض الأحيان حزناً ودموعاً لدى الله تعالى، على جهة الإتضاع له والتماس المعونة منه، على سبيل الشكوى على ضعف نفسه، كما جاء عن كثير من الصبورين القديسين وكالقائل لله وقت شدّته: أنظر إلى تواضعي وتعبي وارحمني.
أما من يصرخ ويحزن، لا بنوع الإبتهال إلى الرب، بل ضجراً وتذمراً وقلقاً، فهذا ليس بصبور، كما قال الأب توما الكمبيسي عن لسان الرب: يا بني لست بمحب مكين بصير لأنك لأجل مضادة قليلة تبطل ما إبتدأت به وتطلب التسلية بزيادة الطمع. أي لأجل تعب الصبر تترك تعب الفضيلة. وهذا خلاف مذهب الصبورين، لا الكاملين فقط بل المبتدئين. لأنّ المبتدئ بالصبر، وإن تعب وحزن قدام الله وبكى وابتهل، لكنه مع ذلك لا يبطل العمل ولا ينغلب للراحة والضجر والكسل، لا بالعمل ولا بالفكر، كما جاء عن أحد الرهبان الصبورين، أنه لكثرة قتال الشياطين، كان يسقط بعض الأحيان في الزناء ثم يقاتل فكره في أنه لا يترك الإسكيم ولا ينقض شيئاً من فروض رهبنته البتة. وكان يبتهل إلى الرب بحرقة ودموع ليخلصه من شيطان الزناء. وفي ليلة ما فيما هو يصلي، ظهر له الشيطان وقال له: كيف لا تختزي من الوقوف قدام الله ومن أن تدعو بإسمه بفمك؟ فأجابه الأخ: كيف لا أصلي ولا أطلب وهذه القلاية سندان تأخذ مرزبة وتعطي مرزبة. فأنا أصابرك في هذا الصراع إلى الموت ولا أكف عن الإستدعاء عليك إلى أن تكف عن قتالي، ونبصر من يغلب أنت أم الله. فلما فهم الشيطان كلامه قال له: أني منذ الآن لا أقاتلك لئلا من صبرك أسبب لك أكاليل وتاجات. وغاب الشيطان. ومنذ ذلك اليوم بطل عنه القتال.
فهذا هو تمام قول السلّمي، كما سبق: إنّ الصبور يسقط وبالسقطات يخترع الظفر. وهذا هو الإحتمال بتعب، حسب تعريف هذه الدرجة الأولى من الصبر.




