امجاد مريم البتول 1 /4 – الفصل الاول: السلام عليك ايتها الملكة ام الرحمة والرأفة – الجزء الرابع: في أن مريم العذراء هي أم الخطأة أيضاً الراجعين الى الرب بالتوبة

كتاب امجاد مريم البتول

القديس ألفونس دي ليكوري

الفصل الأول

تفسير السلام عليك أيتها الملكة أم الرحمة والرأفة

الجزء الرابع

في أن مريم العذراء هي أم الخطأة أيضاً الراجعين الى الرب بالتوبة

أن مريم والدة الإله قد أوحت إلى القديسة بريجيتا (رأس138 كتاب4) بأنها هي أمٌّ ليس للأبرار والصديقين فقط. بل للخطأة وللأشرار أيضاً. بحيث أنهم يريدون أن يرجعوا عن المآثم: فدائماً هو مستعدٌ قلب هذه الأم الحنونة. لأن تسعف كل من يلتجئ إليها من الخطأة متذللاً أمام قدميها. راغباً عمل التوبة. ولأن تعامله بالحنو والرحمة أكثر من أمٍ طبيعيةٍ له. وهذا هو ما كتبه القديس غريغوريوس الكبير إلى الأميرة ماتيلده (كتاب4 رسالة47) قائلاً: أقصدي ألا ترجعي إلى الخطيئة. وأنا أضمن لكِ أنكِ تجدين مريم مستعدةً لإعانتكِ في كل ما ترتاحين إليه. أكثر من استعداد أمٍ طبيعيةٍ لكِ: ولكن من يشتهي أن يكون ابناً لهذه الأم العظيمة، فيلزمه أولاً أن يترك الخطيئة، وبعد ذلك يؤمل أن يقبل منها فيما بين أولادها، فيتأمل ريكاردوس في تلك الكلمات المدونة في سفر الأمثال (ص31ع28) وهي: أنهضت أولادها: ويبرهن كيف أنه يقال أولاً عن النهوض، ثم بعده يذكر التبني، علامةً على أن من لم يهتم قبل كل شيءٍ في أن ينهض من خطاياه التي كان سقط فيها، فلا يمكن أن يكون أبناً لمريم. إذ أنه لا يستحق أن يدعى أبناً لأمٍ هكذا عظيمة ذاك الذي هو في حال الخطيئة المميتة، لأنه كما ينبه القديس بطرس الذهبي النطق: بأن من يصنع أعمالاً مضادةً لأعمال مريم، فينكر بالفعل حقيقة إرادته في أن يكون ابناً لها: فمريم هي متواضعةٌ وهو يريد أن يعيش متكبراً، مريم هي طاهرةٌ وهو دنسٌ، مريم هي مملوءةٌ من الحب، وهو يريد أن يبغض قربه. وبذلك جميعه يعطي علامةً على أنه ليس هو ابناً لهذه الأم القديسة. بل ولا يرغب حقاً التبني لها، ومن ثم يردف ريكاردوس كلامه السابق بهذه الكلمات قائلاً: أن أولاد مريم هم متشبهون بها بالطهارة والتواضع والوداعة والحلم والرحمة. لأنه ترى من يمكنه أن يتجاسر على أن يريد أن يصير ابناً لهذه الأم الجليلة، مع أنه يغيظها بسيرته الرديئة. فأحد الخطأة يوماً ما إذ كان يخاطب والدة الإله قال لها: أظهري ذاتك بالفعل أنكِ أمٌ: فأجابته البتول القديسة: أظهر ذاتكَ أنتَ بالفعل أنكَ ابنٌ: (كما هو مدون من الأب أورياما) وخاطٍ آخر مرةً ما إذا كان يسميها أم الرحمة مستدعياً إياها، فأجابته هذه الأم الإلهية قائلةً: أنكم أنتم أيها الخطأة حينما تريدون أني أساعدكم وأعينكم، فتسموني أم الرحمة، وبعد ذلك لا تكفوا عن أن تجعلوني بواسطة خطاياكم أم الشقاوة والحزن: أما ريكاردوس فيخصص بمريم العذراء ما قاله الله في حكمة ابن سيراخ (ص3ع18): إن من شتم أمه لعنة الله تنزل به: أي أن لعنة الله تحل بأولئك الذين يحزنون قلب هذه الأم الصالحة بسيرتهم الرديئة، وبأصرارهم على آثامهم*

فقولي بإصرارهم على الخطيئة، وذلك لأن الخاطئ الذي يجتهد مغتصباً ذاته على الخروج من المآثم، فهذا ولئن لم يكن بعد خرج بالكلية عن الخطيئة، فعند ما يلتجئ إلى والدة الإله، فهذه الأم الرؤوفة تعضده وتسعفه لأن يرجع إلى حال نعمة الله، كما قد سمعت ذلك القديسة بريجيتا من فادينا نفسه في أحد الأوحية بخطابه مع والدته قائلاً لها: إن أولئك الذين يجتهدون مغتصبين ذواتهم على القيام من سقطتهم راجعين إلى الله. فأنتِ تساعدينهم بالمعونات من دون أن تتركي أحداً من تعزيتكِ: فإذاً حينما يكون الخاطئ مصراً على مآثمه من دون إرادة الرجوع إلى الله، فمريم لا تقدر أن تحبه، ولكن إذا هو شاهد ذاته ربما موثوقاً برباطات ألمٍ ما، أو رذيلةٍ ما قد صيرته أسيراً للعدو الجهنمي، فبحيث أنه قلما يكون يلتجئ إلى البتول القديسة بالصلوات برجاءٍ وطيد وبمواظبة، في أن تنتشله من الإثم وتخرجه من الخطيئة، فهذه الأم الصالحة تمد إليه يدها المقتدرة، وتفكه من تلك القيود والسلاسل، وتقوده إلى الطريق المستقيمة، وتضعه في الحال الخلاصية. فالمجمع التريدنتيني المقدس قد حرم الأرتقة التي بموجبها يقال، أن كل الصلوات والأعمال التي يصنعها الخاطئ وهو في حال الخطيئة، أي هو عادم نعمة الله هي خطايا. فيقول القديس برنردوس: أن الصلاة في فم الخاطئ ولئن لم تكن جميلةً. لأنها غير مرافقة من المحبة، فمع ذلك هي مفيدةً له ومثمرةٌ وملائمةٌ لخروجه من الخطيئة: لأنه كما يعلم القديس توما اللاهوتي: بأنه أي نعم أن صلوات الخاطئ هي عديمة الاستحقاق. ولكنها فعالةٌ حسناً لأن تستمد من الله نعمة الغفران. من حيث أن قوة نوال الطلبات هي مؤسسة لا على استحقاق المتضرع بها، بل على جود الله وخلاصة. وعلى استحقاقات يسوع المسيح ومواعيده القائل بها: أن كل من سأل أعطى، ومن طلب وجد، ومن قرع فتح له: (لوقا ص11ع10) فهذا عينه يجب أن يقال عن أولئك الذين يتضرعون الى والدة الإله القديسة. فيقول القديس أنسلموس: أن كان الذي يتوسل لا يستحق أن تستجاب توسلاته، فأستحقاقات مريم التي هو يلتجئ اليها تصير ان تقبل طلبته: ومن ثم فالقديس برنردوس (في عظته الثالثة المصنوعة منه في بارمون الميلاد) يحرض الخطأة كافةً، وكلاً منهم على الألتجاء الى مريم أم الرحمة بالتوسلات. وعلى أن يوطدوا رجاءهم كثيراً في مفعول شفاعاتها، لأن الخاطئ إذا لم يستأهل بذاته أن ينال مطلوبه. فالباري تعالى لأجل سمو استحقاقات هذه الطوباوية التي تتضرع إليه من أجله، يهبه تلك النعم التي تكون هي التمستها له منه عز وجل. فهكذا يقول القديس نفسه: لأنك يا هذا إن كنت غير مستحق أن يعطى لك مطلوبك. فيعطى لمريم لكي تأخذ منها أنت ما تأخذه: لأن هذه هي وظيفة الأم الصالحة (يقول القديس عينه في محل آخر) التي يكون لها ابنان وهي تعلم أن كلاً منهما هو عازمٌ في قلبه على أن يقتل الآخر ببغضةٍ متبادلةٍ، فترى ماذا تصنع أمٌّ هذه صفتها في حادثٍ كهذا، سوى أن تبذل ما عندها من الجهد، في أن تصالح أحدهما مع الآخر وتزيل العداوة من بينهما. فهكذا مريم العذراء التي هي أمٌ ليسوع المسيح. وأمٌ للانسان (أي لكل البشر) فهذه حينما تشاهد خاطياً ما كائناً في حال العداوة ليسوع المسيح، فلا تقدر أن تحتمل ذلك، بل تبذل عنايتها كلها في أن توقع الصلح والسلام فيما بينهما: فهذه السيدة الكلية الحنو لا تطلب شيئاً آخر من الخاطئ، سوى أن يلتجئ اليها، وتكون نيته أن ينقي ذاته من خطاياه بالتوبة. على أنها متى رأت الخاطئ آتياً أمام قدميها مستغيثاً بها وطالباً الرحمة، فهي لا تلاحظ المآثم المتدنس هو بها، بل تنظر الى نيته وقصده الصالح الذي به التجأ هو إليها. فإذاً حينما يقصدها الخاطئ بعزمٍ جيد وبنية مقدسة، فهي تعنقه وتقبله. ولا تستنكف من أن تشفيه من كل جراحاته الأثيمة المقرحة بها نفسه، ولو كان هو قبلاً صنع الخطايا الموجودة في العالم بأسرها، لأن هذه الأم الكلية الحب لبنيها مدعوة منا بقلب أم الرحمة، لا نعتاً وتبجيلاً وتكرمةً، بل هي حقاً وصدقاً كذلك. وبالعملية تظهر حقائق تسميتها هذه، وتعلنها الى الجميع، بالحب والرأفة والانعطاف والحنو الرحمة، التي بها تسعفنا وتساعدنا وتنعم علينا. وهذا جميعه يتضح جلياً من كلمات هذه السيدة الفائقة القداسة عينها. المقولة منها حياً للقديسة بريجيتا (كتاب1 رأس23 من سيرة حياتها) بهذه الألفاظ وهي: أن الخاطئ مهما صنع من الشر وأقبل اليَّ بحسن عبادةٍ، فلا ألاحظ كثرة مآثمه، بل انظر إلى نيته وعزمه اللذين أقبل إليَّ بهما. ولا أستنكف من أن أضمد جراحاته وأشفيه منها، لأني ألقب بأم الرحمة وأنا بالحقيقة كذلك*

فمن حيث إذاً أن مريم هي أمٌّ للخطأة الذين يريدون الرجوع عن الخطيئة، فلا يمكن أن لا تأخذها الشفقة عليهم والانعطاف نحوهم، بل بالحري يظهر كأنها تشعر في ذاتها بمرارة شقاوة بنيها وبأمراضهم، كما لو تكون ملتحقةً بها هي نفسها. فالامرأة الكنعانية حينما كانت تتوسل إلى يسوع المسيح، من أجل شفاء ابنتها المعذبة من الشيطان قالت له تعالى: ارحمني يا رب يا ابن داود فإن ابنتي يعذبها الشيطان عذاباً شديداً” (متى ص15ع22) فلماذا قالت له ارحمني أنا. والحال أن ابنتها لا هي كانت تتعذب من الشيطان، وبالتالي كان يلزمها أن تقول، يا رب يا ابن داود ارحم ابنتي، لا أن تقول ارحمني أنا، ولكن بالصواب وليس من دون سببٍ قالت هكذا، لأن الأمهات يشعرن في ذواتهن بمرارة مصائب أولادهن، كأنها مصائبهن الشخصية، فلأجل ذلك يقول ريكاردوس الذي من سان لورانسوس (في مدائح البتول): إن مريم حينما يلتجئ إليها أحد الخطأة مستغيثاً بها، فهي تتوسل من أجله لدى الله، وكأنها تقول له تعالى هكذا: يا سيدي أن هذه النفس المسكينة الحاصلة في الخطيئة هي ابنتي. فلهذا أسألك أن ترحمني أنا، أحرى من أن أقول لك أرحمها هي، لأني أنا أمها: أواه فليرتض الله بأن الخطأة جميعاً يلتجئون إلى هذه الأم الحلوة العطوفة، لأنهم من دون ريبٍ يفوزون منه تعالى بالغفران عن مآثمهم. ففي هذا الموضوع يهتف القديس بوناونتورا منذهلاً وصارخاً: أنكِ يا مريم تعتنقين بحبٍ والديٍ الخاطئ المرذول من العالم بأسره، ولا تتركينه الى أن تصالحيه مع ديانه الذي هو ابنكِ: فهذا القديس بعني بالألفاظ المذكورة، أن جميع الخلائق حتى العناصر العديمة الحس نفسها، كالنار والهواء والأرض تبغض الخاطئ المصر على آثامه. وكأنها تريد أن تطرده مقصياً وتنتقم منه معاقبةً، لكي تصلح الإهانة المصنوعة منه ضد خالقها وسيدها المطلق، وتعوض الكرامة المسلوبة عنه بالخطيئة. ولكن إذا التجأ هذا الخاطئ المنكود الحظ إلى مريم، فهل إنها تطرده راذلةً كلا، إنها لن تقصيه، بل متى كانت نيته أن يستمد منها المعونة في تخليصه ذاته من الخطيئة، فتقبله بكل بشاشةٍ وحبٍ بحسبما هي أمٌ له، ولا تتركه ألم يفز بواسطة اقتدار شفاعتها بالمصالحة مع الله، وبالحصول على نعمة التقديس من الجود الإلهي*

فالإصحاح الرابع عشر من سفر الملوك الثاني يخبرنا، عن الخطاب الذي تفوهت به مع داود الملك، تلك الامرأة التقية الحكيمة بهذا المضمون قائلةً له: يا سيدي الملك أنه قد كان لي ابنان، ولأجل سوء حظي قد قتل أحدهما الآخر وبالتالي قد فقدت الواحد منهما. والآن تريد الشريعة أن تعدمني الابن الثاني الذي بقي لي وحيداً. فارحمني أنا الأم المسكينة، وصيرني ألا أفقد الابنين معاً: فحينئذٍ داود أخذته الشفقة على هذه الأم، فخلص من حكومة الموت ابنها القاتل ورده إليها مطلوقاً. فعلى نوعٍ ما يظهر أن مريم تستخدم هذه الألفاظ، حينما ترى الباري تعالى مغتاظاً ضد ذاك الخاطئ الذي يكون التجأ اليها مستغيثاً بها، فتقول له: إلهي أنه لقد كان لي ابنان، وهما يسوع والإنسان، فالإنسان قد قتل يسوع مصلوباً على الخشبة، والآن شريعة عدلك الإلهي تريد بحكومتها أن تهلك الإنسان، فيا سيدي أن ابني يسوع قد مات. فأشفق عليَّ إذاً وصيرني ألا أفقد ابني الثاني الباقي لي. بعد أني عدمت الابن الأول: فحقاً أن الله بغير شكٍ لا يمكن أن يهلك أولئك الخطأة الذين يستغيثون بمريم، وهي تتوسل لله من أجلهم، اذ أن الله عينه قد جعل هؤلاء الخطأة أولاداً لها، بصيرورته إياها أماً لهم. فالرجل الحسن العبادة لابسارجيوس يجعل كأنَّ الباري تعالى يتكلم هكذا قائلاً: أنني قد سلمت الخطأة لمريم بمنزلة بنين ومن ثم هي بهذا النوع مهتمة في أن تكمل واجبات وظيفتها هذه، وليس أحدٌ من أولئك الذين سلموا لعنايتها، خاصةً الذين يستغيثون بها، يمضي مهملاً منها إلى الإبادة، بل أنها تقود الجميع إليَّ بكل قدرتها.*

ويقول بلوسيوس: ترى من يستطيع أن يصف بالكفاية عظم الرحمة والخيرية والعناية والمحبة، التي بها تهتم أمنا هذه الإلهية في أمر خلاصنا، حينما نستدعيها لمعونتنا ونلتجئ اليها: ويقول القديس برنردوس (في أحد ميامره): فلنتقدم إذاً أمام هذه الأم الصالحة جاثين لدى قدميها المقدسين. ولنضبطهما شديداً، ولا نفارقها ولا نطلقها ألمَّ تباركنا، وبذلك تقبلنا أولاداً لها متبننةً بنا: فمن يمكنه أن يرتاب أو يضعف رجاؤه في هذه الأم الرؤوفة، أو في شفقتها نحونا (يقول القديس بوناونتورا) حتى ولو أنها قتلتني، فأنا لا أزال وطيد الرجاء فيها وأؤمل بكلية أملي أن أموت أمام أيقونتها. وهكذا أفوز بالخلاص: فكل أحد من الخطأة حينما يلتجئ إلى هذه الأم الكلية الشفقة، يلزمه كذلك أن يتفوه نحوها قائلاً: أيتها السيدة أمي، إنني لأجل مآثمي أستحق أن ترفضيني مقصياً من أمامك، وأن تعاقبيني بالقصاصات المستزوجبتها خطاياي، ولكن ولو أنك رذلتيني وقتلتيني فأنا لا يمكن أن أضعف رجائي فيكِ، ولا يحيق بي اليأس من رحمتكِ. بل أثق بأن أنال الخلاص بواسطتك. فأنا كلي الأمل فيكِ وشديد الاتكال عليكِ. وأرجو أن أحصل على هذا الحظ السعيد، وهو أن أموت أمام أحدى أيقوناتكِ، مسلماً نفسي بين يدي رحمتك. وبذلك أطمئن بألا أمضي هالكاً، بل أنطلق إلى السماء لكي أسبحكِ برفقة عبيدكِ الكثير عددهم، الذين لاستغاثتهم بكِ في ساعة موتهم، ولإعانتكِ إياهم بقوة شفاعاتك المقتدرة، قد فارقوا هذه الحياة فائزين بالخلاص: وهنا فليقرأ النموذج الآتي إيراده، ليفهم أن كان يمكن لأحد الخطأة، أن يقطع رجاءه من رحمة هذه الأم الصالحة، أو من مفاعيل حبها الشديد إذا التجأ اليها.*

* نموذج *

إن بالواجانسه يخبر (في مطلع تاريخه) بأنه قد كان في مدينة ريدوليوس في بلاد انكلترا سنة 1430 شابٌ شريف الأصل، اسمه أرناسطوس، الذي بعد أن وزع جميع الميراث المخلف له عن مورثيه، وكل ما كان يملكه على الفقراء والمحتاجين، قد ترهب في أحد الديورة، حيث كان يجتاز أيامه بسيرةٍ مملوءةٍ من حقيقة روح الكمال الإنجيلي، حتى أن رؤساءه أنفسهم كانوا يعتبرون فضيلته ويكرمونه، لا سيما لأجل عبادته الخصوصية الحارة نحو والدة الإله، فحدث في تلك الأيام أن الطاعون قد دخل في المدينة المذكورة، ولذلك قد التجأءت سكانها إلى رهبان ذلك الدير، طالبين منهم تقدمة التضرعات من أجلهم، فرئيس الدير قد رسم على أرناسطوس أن يمضي إلى الكنيسة، ويمارس الصلوات أمام هيكل العذراء المجيدة اتصالٍ، وألا يباين الهيكل ألمّ يحصل على جوابٍ ما من هذه السيدة الجليلة، فالشاب قد تمم ذلك وأستمر مدة ثلاثة أيام إلى أن فاز أخيراً من البتول القديسة، بأنها علمته أن الشعب يتلون بعض صلواتٍ مرسومة منها، لينجوا من الطاعون، كما أنهم قد أكملوا ذلك وفازوا بالنجاة تماماً، فأتفق فيما بعد أن ذلك الشاب قد فترت حرارة عبادته نحو العذراء المجيدة. ومن ثم قد وثب عليه الشيطان بتجارب قوية جداً، لا سيما بأشياء مضادة العفة، محركاً في عقله العزم على أن يهرب من الدير، ومن حيث أن هذا المسكين لم يتجه بالاستغاثة نحو ملجأ المحاربين. فقبل هواجس أبليس، وعزم على أن يطرح ذاته من أحد جدران الدير إلى خارجٍ ويفر هارباً. ولكن وفيما هو بهذا العزم مجتازاً من رواق الدير، حيث كانت توجد أيقونةٌ لوالدة الإله، فقد خاطبته هذه السيدة من تلك الأيقونة قائلةً: يا ابني لماذا قد أهملتني: فحينئذٍ أرناسطوس قد انطرح في الأرض أمامها مملوءاً من الانذهال والهلع والندامة معاً، وأجابها قائلاً: ألا تنظرين يا سيدتي كيف أنني ما عدت أقدر أن أحتمل التجارب. فلماذا أنتِ لم تعينيني: فقالت له القديسة: وأنتَ لما تغافلت، عن أن تستغيث بي، فلو أنكَ التجأت إليَّ واستدعيتني إلى معونتك، لما بلغت إلى الحال الكائن أنتَ بها، فمنذ الآن وصاعداً أتكل عليَّ وأستغث بي ولا يخامرك ريبٌ: فأرناسطوس قد رجع إلى قلايته ولكن قد وثبت عليه التجارب جديداً. ومن كونه لم يهتم في أن يلتجئ إلى العذراء المجيدة فقد غلب أخيراً من عدوه الجهنمي، وهرب من الدير. وسلم ذاته لمفاعيل الآلام الرديئة بسيرةٍ كلية الشناعة، مجتازاً من فعل خطيئة الى أخرة حتى أنه صار قاتلاً وناهباً، لأنه استنكر فندقاً يستقبل فيه الغرباء تحت أجرةٍ بائعاً أياهم في النهار قوتاً وخمراً. وفي الليل كان يقتل من يمكنه قتلهم ويسلب أمتعتهم. ففي ليلةٍ ما قد وجد فيما بين الذين أماتهم على هذه الصورة ابن عم والي تلك البلدة، فهذا الوالي بموجب الدلائل التي حصل عليها في قيام الفحص ولأجل ما أتى ذكره قد حكم على أرناسطوس بالشنق. غير أنه في الزمن الذي كان فيه الفحص مقاماً قبل إبراز الحكومة، قد ــ جاء إلى الفندق شابٌ ما شريف المقام، وعندما استقبله أرناسطوس قد صمم عزمه على أن يقتله ليلاً، كما كان فعل بالآخرين، فلما بلغت الساعة المقصودة منه، دخل سراً إلى المسكن الراقد فيه ذاك الشاب ليميته على فراشه، فلم ير الشاب، عوضاً منه شاهد مطروحاً فوق الفراش شخص مخلصنا يسوع المسيح مسمراً على الصليب مملوءاً من الجراحات، الذي قد نظر إليه بعين رأفةٍ قائلاً له: أما يكفيك يا ناكر الجميل أنني قد مت مرةً واحدةً من أجلك، بل تريد أن تميتني مقتولاً بيدك من جديد، فأمدد ذراعك سريعاً واقتلني ثانيةً: فحينئذٍ أرناسطوس طفق يبكي بمرارةٍ وأجابه قائلاً بدموعٍ: هوذا أنا يا سيدي أمامك، ومن حيث أنك أستعملت معي رحمةً هكذا عظيمة، فأنا أريد أن أعود إليكَ راجعاً: قال هذا وحالاً خرج من الفندق ليمضي إلى الدير ويمارس أفعال التوبة، ولكن فيما هو مجتاز قد صادفته خدام الشريعة فمسكوه وأتوا به إلى القاضي، فلما مثل في ديوانه قد اعترف مقراً بجميع ما كان صنعه. وبقتله كل الذين أماتهم في الفندق. فحينئذٍ الوالي أبرز ضده حكم الموت مشنوقاً. من دون أن يعطيه زمناً ليعترف بخطاياه في منبر سر التوبة. فوقتئذٍ أرناسطوس التجأ إلى أم الرحمة مستغيثاً بها. فالجلاد أي نعم أنه شنقه إلا أن والدة الإله قد حفظته في الحياة، وفكته من الحبل وسرحته آمرةً إياه بقولها له: أرجع إلى الدير وأعمل توبةً. وفي اليوم الذي فيه تشاهد في يدي ورقةً توضح أن خطاياك قد غفرت، فحينئذٍ هيء ذاتك للموت. فأرناسطوس عاد إلى ديره، وأخبر رئيسه بهذا جميعه، وشرع يباشر أفعال التوبة الأشد صرامةً، واستمر على ذلك عدةً من السنين، إلى أنه يوماً ما رأى في يد الطوباوية مريم البتول ورقة الغفران، ومن ثم استعد حالاً إلى الموت، ورقد بالرب بميتةٍ مقدسة*

† صلاة †

يا مريم الكلية القداسة. أيتها الملكة المسلطة، والدة الإله المستحقة هذه الرتبة السامية الجلال، إنني إذ ألاحظ ذاتي بهذا المقدار مملوءاً من الذل والأدران والخطايا، فلم يكن يليق بي أن أتجاسر على التقدم إليكِ، وعلى أن أدعوكِ أماً لي، ولكن لا أريد أن شقاوتي هذه تعدمني التعزية العظيمة، والرجاء الأمين اللذين أشعر بهما عندما أسميكِ أمي، فأنا أعلم أني مستحقٌ أن تطرديني مقصياً من أمامكِ، إلا أنني أتوسل إليك بأن تتأملي في جميع ما تكبده من الآلام، وما صنعه من أجلي يسوع ابنكِ. وبعد ذلك اطرديني ان قدرتِ. فأنا هو أحد الخطأة البائسين. ولكنني أهنت العزة الإلهية أكثر من الآخرين، إلا أن الشر قد صار، وفات ما مضى، فالآن أنا ألتجئ اليكِ، وأنتِ قادرةٌ أن تعينيني، فغيثيني يا أمي وساعديني، ولا تقولي لي أنكِ لا تستطيعين إسعافي، لأني أعرف أنكِ قادرةٌ على كل ما تشائين! وتنالين من إلهكِ، جميع ما ترغبين، وأما إن قلتِ لي أنكِ لا تريدين أن تعينيني، فقلما يكون عرفيني إلى من التجئ لكي يساعدني في حال مصائبي هذه الثقيلة. فأنا أهتف إليك وإلى ابنكِ بألفاظ القديس أنسلموس قائلاً: أما أنك أنت يا مخلصي ترحمني بمغفرتك لي آثامي، وأنتِ يا أمي تشفقين عليَّ معينةً إياي، وأما أنكما تقولان لي من هم الأشخاص الأقوى منكما لأستغيث بهم. ومن هم الذين أستطيع أن أتكل عليهم. فلا يوجد لا في السماء ولا على الأرض أحدٌ يمكنني أن أحصل منه على رحمةٍ وشفقةٍ أكثر منكما، أو يستطيع هو أن يساعدني أفضل منكما، فأنت هو أبي يا يسوع. وأنتِ هي أمي يا مريم، فأنتما تحبان من هم أكثر احتياجاً، وأوفر شقاوةً وتمضيان في طلبهم لتخلصانهم. فأنا هو أحد الأثمة المستحقين أن يطرحوا في جهنم، بل الأشد قبحاً وتعاسةً من جميعهم، ولكن لا حاجة بكما لأن تجولا ههنا وهنا لتطلباني، بل ولا أنا أدعي بأنه يلزمكما التفتيش عليَّ، لكني أقدم لكما ذاتي برجاءٍ وطيدٍ في أنكما لا تعرضان عني، وتتركاني مهملاً منكما. فهوذا أني منطرحٌ على أقدامكما، فأغفر لي يا يسوع مخلصي، وأنتِ يا مريم عينيني آمين!*

لم يسمع قد أن أحداً ألتجأ إليكِ وعاد خائباً أيتها السيدة الرؤوفة