المتوحِّدة .. المتأمِّلة في قلبها – الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

المتوحِّدة .. المتأمِّلة في قلبها

الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

“أدخلي الى المحجوبات وأدركي الأسرار
واستعدّي لتصيري مَسكِنًا بهيجًا وبهيًّا ليسوع
المانح العالم الرّحمة العُظمى”

(ترنيمة دخول السيدة إلى الهيكل، صلوات الكنيسة البيزنطيَّة)

يا والدة الإله العذراء
يا مُضيفة الثالوث ومعقل الألوهة
“وجنّة الله الحصينة” والمستودع المكتوم
يا إناء “الحكمة السريّة الخفيّة
التي من قبل الدّهور”
وخازنة كنوز النور.

أيتها الأم الملائكية
يا سفر المعرفة الكليّة النقاء
والعِلم الكلّي الطُّهر
يا فردوس الأسرار “والعين المختومة”
“وبئر الماء الحي” غير الماديّ
ومَعين الكشف الذي لا ينضب

يا أم الشّمس العُلوية،
والغُمامة الوضّاءة، يا جدول الضِّياء
يا حكمة الحكماء وبوْح الأسرار
وإيحاء الأنبياء وإبداع الشعراء
وقيثار المُنشدين وإلهام المتوحدين
ودهشة النسّاك ونور القدّيسين

“يا عُمقًا لا يُدرَك وعُلوًا لا يوصف”
وسرًا لا يُدرك كنهه البشر ولا الملائكة
يا من ائتُمِنَت على المكنونات والمحجوبات
وأُعلِنَت لها الإلهيات واللامرئيات
وأودِعت من الخفيّات
“ما لم تَرَه عينٌ ولا سمعت به أذن
ولا خطر عن قلب بشر”

كلّ ما قيل فيك لا يكفي لتمجيدِك
كلّ ما أُخبِر عنك لا يفي بتعظيمك
“تطويبات الأجيال
تعجز عن أن تُعلِن عزَّكِ
“وكلّ مديح، وإن تكلَّف الإسهاب
يَقصُر عن مساواة غزارة” عِلمكِ

“يا من تُعجز البُلَغاء عن النُّطق”
عن علو شأنِكِ وطولِ باعِكِ
وعظمة اقتدارك
ألمَحَت مكنونات الكتب
عن عظيم مجدِكِ تحدَّثت إعلانات الأزمِنَة
منكِ أشرقت النبوّات، ودلّت على بتوليتكِ
وجميع الأجيال تُذيع تطويبك والدة الإله

أيتها الأم النقية
الحافظة أسرار الملكوت
من خشوعِكِ بالذات انبجسَت أسرار
بصلواتِك الطاهرة
تدَّفقت نبوءات الأنبياء من جيلٍ لجيل
من “انسكاب قلبك” كُشِفَت مخبّآت
من كيانِك المؤَلَّه النوراني الفائق الضّياء
أُعلِنَت مكتوماتٌ كانت دفينة في قلب الآب منذ الأزل

يا أمّ كل حكمة،
يا مُفيضة إلهامات الروح
“وباحِثة الأعماق” التي لا يُسبَر غورها
أيتها الجنّة الحيّة المغروسة شرق الملكوت
وبستان الحياة المُسّيَّج والحصين
الذي ثِماره إعلانات خفيّة
لجميع الذين تخلّوا وأخلوا،
وساروا في إثرِكِ
وآثروا الصمت وخَلَدوا الى السكينة والخفاء
وشُغِفوا بحبّ الألوهة حتى المـُنتهى

يا مركبة اللاهوت وأمّ الناسوت
يا شفيعة المصلين وبهجة الحُبَساء
وكشف المتأملين
أيتُها المـُتَأمِلة النابضة بالحكمة
المتوهِّجة بالأسرار
النورانية، المـُشِّعَّة، اللامِعة
“الطالعة من القَّفر”،
“المـُشرِقَة كالصبح”
الجميلة بقداستها، المـَهيبة، ذات الجلال
“الجميلة كالقدس والحسناء كأورشليم”
الجميلة كالقمر المختارة كالشمس
المرهوبة كالنجوم”
الجميلة المرهوبة التي لا عيب فيها
“المرهوبة كصفوف تحت الرّايات”

أيتها القديسة المتوحِّدة أبدًا، الصامتة
الساكِنة سريًّا في مناسك النُّساك
القابعة في برية الأبرار، في قَفر المجاهدين
“الطالعة من مرابض الأسود،
من جبال النمور” ذوي البأس
الأشداد في القتال،
القديسين عَبْر الأجيال

أيتها القديسة “الأرفع من السموات”
يا عبير الألوهة “وأريج الشفاعة المقبول”
يا “عمود البخور المـُعطَّرة بالمـُرّ واللُّبان”
“الحمامة الكاملة”، “الوحيدة” “المختارة”
التي لا مَرَدَّ لِتوسُّلاتها:
لترتفِع صلاتك إذن يا نصيرة صلاتنا
وليكُن سؤلُنا بشفاعتِكِ مقبولًا
لدى عرشِ الآب

ويا أيتها السّماء السريّة
التي أمطَرَت لنا منَّ الحِكمة الخفيّ
فلتهطل علينا بواسطتك
“حكمة الله العُلوية” لكنيسة المسيح ابنك
ولجميع المصلّين والمبتهِلين،
والهامات الروح
ووافِر مراحِم وإِنعامات الثّالوث
الكلّي قدسُهُ
لجميع جنسنا

صلاةً وتطويبًا رفعناها لكِ
مع أجيال الذين قبلنا
وإلى جيلٍ فجيل الى الدهور.

الأب أنطوان يوحنّا لطّوف