النميمة, الإدانة والتشهير من كتاب إدانة الآخرين – البابا شنوده الثالث

النميمة, الإدانة والتشهير من كتاب إدانة الآخرين – البابا شنوده الثالث

النميمة:

وهي مَسْك سيرة الناس، والتحدث عن أخطائهم، أو نسبة أخطاء إليهم. والنميمة مرض منتشر بين الكثيرين. فإذ لا يجدون شيئًا نافعًا يتحدثون فيه، يجعلون أخبار الناس مادة مفضلة لأحاديثهم، وبخاصة ما تحمله هذه الأخبار من انتقادات وتحليل للمواقف، وشرح الأخطاء والنقائص.

ولذلك فمن ضمن أسباب النميمة الفراغ.

فالإنسان المشغول باستمرار لا يجد وقتًا يتحدث فيه عن أخبار الناس وأخطائهم. والسيدة العاملة قد تكون أقل وقوعًا في هذه الخطية من السيدات الجالسات في البيوت، ولا حديث لهن إلا عن أخبار الجيران. والتلميذ في أيام الامتحانات، وهو منشغل بدروسه ومراجعتها، لا يجد دافعًا داخليًا للاسترسال فيه…

لذلك اشغل نفسك، حتى لا تقع في الإدانة والنميمة.

وأيضًا من أسباب النميمة معاشرة النمَّامِين.

لأنهم يفتحون لك أمثال هذه الموضوعات. وإن فتحتها أنت، يشجعونك على الاسترسال فيها. ومع هؤلاء النمامين، تشعر أن مسك سيرة الناس شيء عادي، لا غرابة فيه. بل تشعر أنه مجال للتسلية، وربما تجد فيه متعة إن كان مختلطًا بروح المرح، فتستمر دون أن يستيقظ ضميرك، ودون حرج…

آيات من الكتاب المقدس عن النميمة

1

“عَاتِبْ صَدِيقَكَ فَإِنَّ النَّمِيمَةَ كَثِيرَةٌ” (سفر يشوع بن سيراخ 19: 15) 

2

“النَّمَّامُ يُنَجِّسُ نَفْسَهُ، وَمُعَاشَرَتُهُ مَكْرُوهَةٌ” (سفر يشوع بن سيراخ 21: 31) 

3

“النَّمَّامُ وَذُو اللِّسَانَيْنِ أَهْلٌ لِلَّعْنَةِ” (سفر يشوع بن سيراخ 28: 15) 

4

“فِي الْكَلاَمِ كَرَامَةٌ وَهَوَانٌ، وَلِسَانُ الإِنْسَانِ تَهْلُكَتُهُ. لاَ تُدْعَ نَمَّامًا، وَلاَ تَخْتُلْ بِلِسَانِكَ. فَإِنَّ لِلسَّارِقِ الْخِزْيَ، وَلِذِي اللِّسَانَيْنِ الْمَذَمَّةَ الشَّدِيدَةَ” (سفر يشوع بن سيراخ 5: 15-17)

 

5

“رَجُلُ الأَكَاذِيبِ يُطْلِقُ الْخُصُومَةَ، وَالنَّمَّامُ يُفَرِّقُ الأَصْدِقَاءَ” (سفر الأمثال 16: 28)

 

6

“بِعَدَمِ الْحَطَبِ تَنْطَفِئُ النَّارُ، وَحَيْثُ لاَ نَمَّامَ يَهْدَأُ الْخِصَامُ” (سفر الأمثال 26: 20)

 

7

“كَلاَمُ النَّمَّامِ مِثْلُ لُقَمٍ حُلْوَةٍ وَهُوَ يَنْزِلُ إِلَى مَخَادِعِ الْبَطْنِ” (سفر الأمثال 18: 8؛ 26: 22)

 

8

“وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ.  مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلًا وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ ِللهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ” (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1: 28-31)

الإدانة:

ومعناها من جهة اللغة الحكم على الغير بأنه مذنب…

ولكن الآباء في بستان الرهبان يفرقون بين النميمة قد تحمل الحديث عن خطأ معين قد حدث، بينما الإدانة تحمل الحكم على أخطاء ثابته في الشخصية.

وهناك يوجد فرق بين الإدانة الجزئية، والإدانة الكلية.

فمثلًا يوجد فرق بين قولك إن فلانًا قد كذب، في موقف معين، وبين قولك إنه شخص كذاب، أي أن الكذب جزء من عناصر شخصيته. وبالمثل يوجد فرق بين قولك إنه قد جبن أو خاف في إحدى المناسبات، وبين قولك بصفة عامة إنه جبان أي أن الجبن من مكونات شخصيه…

كذلك هناك فرق بين الإدانة الفردية والإدانة الجماعية.

فهناك إنسان قد يقع في إدانة شخص ما وإنسان آخر قد يتطور به الأمر إلى إدانة مجموعة معينة، أو مدينة بأسرها، أو شعب كامل. وقد يدين البشرية في نواح معينة.

مثال ذلك يقول لك: المدينة الفلانية تشتهر بالبخل، أو الشعب الفلاني يتصف بالبرود، أو الشعب الفلاني يتصف بالتهور. وهكذا يسم الشعب كله بصفة واحدة…

والمعروف أنه قد يوجد في أسرة واحدة أخان أو شقيقان، كل منهما له طبع مخالف للآخر.

قايين طبعة غير هابيل، وهما شقيقان، و كذلك طبع يعقوب يختلف عن طبع عيسو وهما توأمان. وبالمثل سليمان غير أبشالوم، وهما شقيقان… وهكذا في الأسرة الواحدة طباع متنوعة. فلا نستطيع أن نحكم على طباع شخص بصفات أقربائه.

إن كان الأمر هكذا، فما معني الحكم على مدينة أو شعب بحكم واحد وربما يكون المقصود هو الصفة الغالبة. ومع ذلك فقد لا توجد هذه الصفة عن البعض.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

وقد يتأثر إنسان بحادث معين وقع له مع شخص ما، لكي يصدر حكمًا على هذا الشخص يشمل حياته وصفاته كلها.

بينما كل شخص قد تمر عليه في حياته فتره ضعف، أو فتور، أو فترة يكون فيها تحت ضغطات معينة، أو في حالة نفسية مؤقتة نتيجة لأسباب خاصة… ولا يمكن أن تعبر تصرفاته في مثل هذه الفترة عن الصورة الثابته لشخصية… ولكن ويل له من حكم من آه في تلك الفترة، أو في أحد مواقفها بالذات.

ومن أمثلة الإدانة العامة: إدانة اليهود للأمم.

وإدانتهم أيضًا للسامريين، وإدانتهم لكل من يتعامل مع هؤلاء وأولئك. وهكذا تعجبت المرأة السامرية من حديث السيد المسيح معها، بينما “اليهود لا يعاملون السامرية” (يو 4: 9) تعني هنا الشعب كله، وليس شخصًا واحدًا بالذات. وهكذا نرى ان الإدانة تطورت إلى المقاطعة، ولم تعد مجرد كلام إدانة.

ومن أمثلة الإدانة العامة أيضًا: إدانة الفريسيين للعشارين.

ربما كانت صفة الغالبة في العشارين هي الظلم، ولكن ليس شرطًا أن يتصف بها كل عشار. فقد يوجد عشار تائب… ونلاحظ من عمق إدانة الفريسيين للعشارين، إن الفريسي وقف يدين العشار حتى أثناء صلاته. فأشار إلى العشار المنسحق القلب وقال “أشكرك يا رب، لأنني لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة، ولا مثل هذا العشار..” (لو 18: 11).

نوع آخر من أنواع الإدانة هو: التشهير.

التشهير:

ومعناه أن تجعل أخطاءه مشهورة عند الآخرين.

والذي يقع في التشهير، لا يبالي بأن يحدث كل أحد عن أخطاء مَن يسيء إليه، فينشر تلك الأخطاء، أو ما يري أنه أخطاء، في أوسع نطاق ممكن، بلا حرص إطلاقًا على مشاعر وسمعة الشخص الذي يتحدث عنه…

وتزداد خطية التشهير بشاعة، على قدر اتساعها وانتشارها.

ولا تقتصر على الأشخاص الذين يتحدث معهم هذا الذي يدين غيره، وإنما تمتد أيضًا إلى الذين ينقل إليهم سامعوه نفس الكلام ونفس الإساءات… وما أدرنا ربما كل منهم يضيف شيئًا من عنده، من استنتاجاته أو مفهومه الخاص. ويصبح الأمر معروفًا لدى عدد كبير جدًا يصعب إحصاؤه…

وربما المخطئ يتوب، ولكن الشهرة الرديئة تظل تتعبه وتتعبه.

بل ربما هذه الشهرة تكون عائقًا أمامه في التوبة… هذا إذا كان مخطئًا بالحقيقة… لأنه في أحيانًا كثيرة لا يكون التشهير مبينًا على أساس من الحق والصدق والعدل.

فربما يبني التشهير على شائعات أو إدعاءات.

وما أسهل أن يحدث هذا من جانب الحاقدين أو الحاسدين أو الظالمين أو أصحاب الأغراض…!

إن آخاب الملك عندما أراد أن يستولي على حقل نابوت اليزرعيلي، دبرت إيزابل زوجته مؤامرة للإيقاع بنابوت، بأن يشاع عنه أنه جدف على الله، وأرسلت رسائل إلى شيوخ وأشراف مدينته بذلك، ونادوا بصوم، واجلسوا نابوت في رأس الشعب، وشهروا به تشهيرًا إلى رجمه… وكان بريئًا… (1 مل 21).

ولعل تشهيرًا مثل هذا حدث ليوسف الصديق، انتهَى إلى سجنه. بل أن تشهيرًا ظالمًا آخر أشاعه الكتبة والفريسيون ضد السيد المسيح نفسه، انتهي إلى صلبه…

وإن كانت كل هذه الأمثلة ثبتت براءتها، فإن تشهيرات أخرى قد لا تنال فرصه لإثبات براءتها…

ومن خطية الإدانة بالتشهير، ما يسمونه في مواد القانون باسم “القذف العلني وأحيانًا لا يكون هذا التشهير باللسان، وإنما عن طريق الصحافة مثلًا، حين تقوم حملة صحفية عنيفة ضد شخص ما، أو ضد هيئة معينة، أو بلد من البلاد، وتؤدي هذه الحملة إلى سوء سمعة واسعة النطاق، أو إلى فضيحة عالمية. وبعض هذه الحملات انتهت إلى سقوط رئيس دولة، أو سقوط وزارة، أو أقاله وزير… فكم بالأولي يكون تأثيرها على شخص لا يملك دفاعًا عن نفسه؟