
رأيتُ النور المقدس!
لأشهُرٍ طويلة ساورته الشكوك بحقيقة أُعجوبة النور المقدس. إهتزَّ إيمانُه وتساءل عمّا إذا كانت هذه معجزة حقيقية أم لا. ولفترة طويلة راح يبحث عن طريقة لاشباع فضوله وإجابةٍ شافية لسؤاله!
هو الراهب ميتروفانيس، من مواليد عام 1900 في كيراسوندا في إقليم البُنطُس في آسيا الصغرى. قُتِل جميع أفراد عائلته خلال الإبادة الجماعية للروم في تلك المنطقة على أيدي العثمانيين سنة 1921 وكان هو أحد الناجين من المذبحة، وفرَّ هارباً قاصداً فلسطين. سار لأسابيع طويلة بين الجبال، حافي القدمين، حتى وصل إلى حلب، ومنها إنتقل إلى بيروت، وسار عدّة أيام أخرى إلى أن وصل حيفا، وفي 1 تشرين الثاني 1923 حطّت قدماه في المدينة المقدسة أورشليم، في عهد البطريرك الأورشليمي ذاميانوس الأول (1931 -1897).
بعد عامين سِيمَ راهباً في كنيسة القيامة، وعُيِّن حارساً للقبر المقدس، وبهذه الصفة إشترك في مراسم السبت العظيم سنة 1925. وجاءت الإجابة على السؤال الذي لطالما حيَّره في يوم السبت العظيم المقدس الموافق 1 أيار من سنة 1926. وقد روى ما إختبره وعاشه في ذلك اليوم التاريخي من حياته، بعد مرور خمسة وخمسون سنة، في فصح عام 1980 عندما كان له من العمر ثمانون عاماً، حيث أدلى بشهادته أمام الكاهن القبرصي “سابا أخيليوس” الذي سجّل إختباره في كتابه “رأيتُ النور المقدس”.
إعترف أنه عندما كان عُمره خمسة وعشرون عاماً، إستحوذت عليه رغبةٌ لم يكن بإمكانه السيطرة عليها، لكي يرى بأُمِّ عينيه ما يحدث داخل القبر المقدس، في اللحظة التي يظهر فيها النور الإلهي. يقول: “كان عليَّ مثل توما آخر غير مؤمن أن أرى بأُمِّ عينيَّ ما يحدث بالضبط داخل القبر لكي أُصدِّق”.
ذات يوم إكتشف أثناء تنظيفه القُبَّة الموجودة على سطح القبر، تجويفاً صغيراً بالكاد يتّسع لشخصٍ واحد. فجاءته الفكرة أن يختبىء فيه ليشاهد كيف ينزل النور المقدس. وجرت الأحداث على النحو التالي:
في منتصف ليلة الجمعة العظيمة سنة 1926 وضع خطّته الجريئة موضع التنفيذ، ففي الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً، طلب من مساعده أن يُحضِر له سُلَّماً لفحص القناديل المعلَّقة، وبعد صعوده إلى سقف القبر المقدس، أوعز إلى مساعده أن يُعيد السُلَّم إلى مكانه متذرّعاً أنه سيقفز لاحقاً إلى الأسفل بعدما يُنجِز عمله. لكن الأب ميتروفانيس أخفى نفسه في ذلك التجويف طوال ليلة السبت العظيم. وفي الساعات التي عقبت ذلك سيطر عليه خوفٌ شديد، فقد بدأ يُعذِّبه شعورٌ بالذنب والندم، لأنه تجرّأ على فعل ما لم يفعله أحدٌ من قبله، وأخذ يلوم نفسه على تسرُّعه وقلَّة إيمانه.
ظلّ ساكناً وصامتاً يحبس أنفاسه لمدّة اثنتي عشرة ساعة. كان معه بعض الماء ومصباحٌ يدويّ إستخدمه في الساعة الحادية عشرة صباحاً، عندما تمّ ختم القبر المقدس بشمع العسل، وظلَّ وحيداً في الظلام،
ولم يشعر أحدٌ بغيابه في ذلك اليوم، في زحمة العيد وتوافد الآلاف إلى كنيسة القيامة. وبعد ساعة فُتح باب القبر المقدس ودخل البطريرك ذاميانوس الأول.
يروي الأب ميتروفانيس ما حدث على النحو التالي:
“عندئذ رأيتُ هيئة البطريرك وهو ينحني ليدخل القبر المعطي الحياة. في تلك اللحظة عندما كانت معاناتي في ذروة رهيبة من الصمت المميت، عندما كنتُ بالكاد أسمع أنفاسي، سمعت فجأة صفيراً خفيفاً. كان مثل نَسَمة رقيقة من الريح. وعلى الفور رأيت مشهداً لا يُنسى، ضوءٌ أزرق يملأ كامل مساحة القبر المعطي الحياة… كم كان القلق من الضوء الأزرق الذي من خلاله تمكّنت من رؤية وجه البطريرك بوضوح، الذي كان العرق يتصبّب من وجهه… وكأنما أضاءه ذلك النور، بدأ يقرأ الصلوات (الأفاشين).. وعلى الفور بدأ النور الأزرق يتحوّل إلى نور أبيض بالكامل، مثل نور تجلِّي المسيح. ثم تحوّل ذلك النور الأبيض بالكامل إلى جسم كرويّ مضيء مثل الشمس، وبقي بلا حِراك فوق رأس البطريرك. ثم رأيتُ البطريرك يحمل حُزمتيّ الثلاثة والثلاثون شمعة، وبينما كان يرفع يديه ببطىء، أُضيءَ القنديل المقدس والشموع المقدسة تلقائياً من ذاتها، في تلك اللحظة إختفى الجسم الكرويّ المضيء. إغرورقت عيناي بالدموع واشتعل جسدي بأكمله.”
إن الشعور بالكمال والفرح الذي إستحوذ على الأب ميتروفانيس عندما رأى النور المقدس، سرعان ما تحوّل في الأيام اللاحقة إلى إحساس بالذنب والحزن والندم، لأنه قاسى عذاب الضمير على تصرّفه المتهوِّر الذي قام به ليشبع فضوله. وبعد أيام قليلة قرر أن يعترف بفعلته أمام البطريرك ذاميانوس الذي أدرك أنّ شخصاً ما كان يختبىء فوقه داخل القبر، لأنَّ الراهب ميتروفانيس بسبب إنفعاله، ضغط عن غير قصدٍ منه على زرّ المصباح اليدوي الذي كان بحوزته، مما جعل وهج المصباح يكشف عن وجوده.
معرّب عن اليونانية بتصرّف
بقلم الأب رومانوس الكريتي
Άγιον Φώς, Χάρης Σκαρλακίδης, ογδόντα πέντε ιστορικές μαρτυρίες,
Αθήνα 2021, Σελ. 244 – 249.
Σάββας Αχιλλέως, Είδα το Άγιο Φως, σ. 124. Το απόσπασμα
No Result
View All Result