
هل الصوم فريضة كتابية؟
رد د. عدنان طرابلسي على أوهام “الكتابيين”.
السادة المحترمون:
نشكر اهتمامكم، أنتم والذين يحذون حذوكم، بمسألة الصوم. ونقول لجميع الذين يؤمنون بالمسيح أمثالكم ولكنهم ليسوا أعضاء في جسد المسيح، الكنيسة، بالمعمودية المقدسة، ما يلي:
أولاً: الغيرة على الكتاب المقدس بدون الغيرة على الكنيسة المقدسة، جسد المسيح، هي غيرة باطلة. لأن الكتاب المقدس، الذين تطالبون باتباعه حرفياً وتدّعون اتباعه حرفياً، لم يُكتب إلا في الكنيسة المقدسة، ولم يوجد بدون الكنيسة المقدسة، ولم يُحفظ إلا في الكنيسة المقدسة طوال عشرين قرناً، ولم يشهد على صحته وموثوقيته إلا الكنيسة المقدسة. لهذا باطلٌ ادعاؤكم التمسك بالكتاب المقدس حرفياً والتغاضي كلياً أو جزئياً عن الكنيسة. وكأني بذلك تريدون شرب الماء في الهواء بدون ينبوعٍ.
ماذا يقول الكتاب عن نفسه؟ لنسمع بولس قائلاً: “كل الكتاب هو موحَى به من الله، ونافعٌ للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر” (2 تيمو 3: 16). أما عن الكنيسة المقدسة، فماذا قال بولس لتلميذه نفسه عن “كنيسة الله الحي”؟ قال: إنها “عمود الحق وقاعدته” (1 تيمو 3: 15). إذاً الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته، هي التي تحفظ الحق على أساس متين وتُنشئ عليه تعاليمه عموداً من نار ونور. أما الكتاب المقدس فأهميته في الوحي الكامن فيه، في التعليم الموحَى به من الله. وهذا التعليم كان أولاً في قلوب المؤمنين في الكنيسة الأولى، قبل ظهور أي شيء اسمه الكتاب المقدس أو الأسفار الإلهية للعهد الجديد. فهل كان المؤمنون الأوائل أقل حظاً وفهماً وبركة وعلماً ونعمة بسبب عدم وجود العهد الجديد بين أيديهم؟ على العكس تماماً. هذا ما يشهد له العهد الجديد نفسه.
ثانياً: الكنيسة ولدت أولاً يوم العنصرة، والكتاب المقدس ظهر بشكله النهائي بعد سنوات كثيرة. فالعهد الجديد، المكتوب على ألواح قلب لحمية أولاً، مكتوب بالروح القدس، والروح بدوره لا يُعطَى إلا بوضع الأيدي ولاحقاً بمسحة الميرون المقدس في الكنيسة المقدسة. والروح القدس هو الوحيد الذي يمكّن الإنسان، أي إنسان، من فهم الكتاب المقدس، وهو الوحيد الذي يرفع البرقع عن وجه كل إنسان عند قرائته الكتاب المقدس. لهذا السبب الذين لا ينتمون إلى الكنيسة المقدسة لا يملكون الروح القدس وإن ادّعوا أنهم قيثارات الروح. هذا تعليم الكتاب لا تعليمي. وغياب الروح القدس فيكم يجعلكم ألعوبة بيد الشيطان. والرسول بولس يقول: “ولكن الروح يقول صريحاً: إنه في الأزمنة الاخيرة يرتدّ قومٌ عن الإيمان، تابعين أرواحاً مضلِّة وتعاليم شياطين” (1 تسال 4: 1). فعندما يغيب الروح القدس يحضر روح بل أرواحٌ غير قدوسة، أرواح شريرة.
ثالثاً: الكتاب المقدس نفسه الذي تدعون الإيمان به هو الذي يعلّمكم أنه توجد كنيسة منذ البدايات، منذ أيام تلاميذ المسيح وزمن كتابة الأناجيل. وأن لهذه الكنيسة سلطان الحل والربط (متى 18: 15-18). فكيف تؤمنون بالكتاب دون الإيمان بما جاء فيه؟ وعندما يقول الرب هنا: “وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار” (متى 18: 17)، فماذا يقصد الرب هنا من “الكنيسة”؟ هل كان يقصد الحجر أم البشر؟ هل كان يقصد الأعمدة الحجرية أم الأساقفة، الأعمدة اللحمية، مثل “يعقوب وصفا ويوحنا، المعتبرون أنهم أعمدة” (غلا 2: 9)؟ وكيف كان على الكنيسة أن تمارس “سلطان الحل والربط”؟ هل بوضع الكتاب المقدس على رأس المذنب مثلاً وانتظار إشارة سماوية تقرر الحل أو الربط بصورة سحرية؟ أم يجتمع الأعمدة، أساقفة الكنيسة، وبإلهام الروح القدس (كما نرى في أعمال الرسل) يقررون الصواب؟ وقبل كتابة العهد الجديد بأسفاره جميعاً، كيف كانت الكنيسة تمارس هذا السلطان؟ هل كان هذا السلطان غائباً؟ هل أخطأ رب المجد؟! ولماذا المعتبرون أعمدة لهم سلطان الحل والربط، حتى قبل كتابة أسفار العهد الجديد، بينما خلفاؤهم ليس لهم هذا السلطان، وبالتالي ننكر عليهم سلطانهم في إقامة المجامع الكنسية؟
إذا كنتم تؤمنون بالكتاب المقدس، فيجب أن تؤمنوا بما جاء فيه! ولكن من الواضح أن إيمانكم بالكتاب المقدس ليس إيماناً مسيحياً كإيمان التلاميذ والرسل وخلفائهم.
ادعاؤكم بالإيمان بالكتاب المقدس دون محتواه هو ادّعاء شيطاني. فعلى سبيل المثال: تعليمكم عن المعمودية المقدسة، وعن الافخارستيا (سر الشكر المقدس)، وعن حلول الروح القدس على المعتمدين، وعن سلطان الكنيسة بالحلّ والربط، وعن الكهنوت، وعن مفهوم الخلاص، وعن الخلاص بالإيمان والأعمال معاً، وعن بتولية العذراء مريم ودورها في التدبير الإلهي، وعن شفاعة القديسين، الخ. هذه كلها أمثلة عن ضلالاتكم وانحرافكم عن تعليم الكتاب المقدس الذي تدّعون الإيمان به. فلا عجب إن سمعنا أصوات ناشزة تطعن بالصوم وسواه من ممارسات الكنيسة المقدسة منذ ولادتها حتى يومنا الحالي.
رابعاً: مَن قال لكم إن الكتاب المقدس يحتوي كل التعاليم المسيحية، وبالتالي ما غاب في الكتاب المقدس لم يوجد في حياة الكنيسة هو غير صحيح؟ مَن هو الجاهل الذي يدّعي هذا؟ الكتاب نفسه يعترف بوجود تعاليم شفوية وتعاليم غير مكتوبة فيه وتقاليد تمّ استلامها وتسليمها. الأمثلة كثيرة ولكن بما أنكم تدّعون معرفة الكتاب المقدس، فلن أذكر نصوص الآيات بل مواضع بعضها، لربما سمح تواضعكم بقرائتها والتمعن بها. (يمكنكم مراجعة 1كور 11: 2 و34، ويو 20: 30-31 و2 تسال 2: 15 وسواها).
أنتم ترفضون تعاليم الكنيسة المقدسة وتقليدها طوال عشرين قرناً بينما أنتم في “كنائسكم” المنشقة المعارضة للكلمة الإلهية تتبعون تقاليد بشرية تأسست منذ طردكم من قبل الكنيسة الكاثوليكية وحتى يومنا الحالي. فتفاسيركم للكتاب المقدس تزيد عن الكتاب المقدس نفسه بآلاف آلاف المرات، مع أنكم تدّعون أنكم آنية للروح القدس! فلماذا تفرضون على أتباعكم تفاسير معينة وترفضون تفاسير أخرى ولو كانت من مللٍ منشقة مماثلة لكم؟ لماذا تؤلّفون تفاسير للكتاب المقدس طالما الروح القدس نفسه هو رهن تصرفكم وتحت أناملكم، يشرح لكم ما صعب فهمه، ويكشف لكم ما خفي سرّه؟
لماذا توجد آلاف الفئات “المعارضة” المنشقّة التي تدّعي أن مصدر تعليمها الأوحد هو الكتاب المقدس، ولكنها في الوقت نفسه متباينة فيما بينها في التعليم والممارسة والتقاليد وسواها؟ لا بل متناحرة فيما بينها ومتنافرة، لدرجة تستحي منها الملائكة! كيف لا يجعلها الروح القدس فئة واحدة وإيماناً واحداً وقلباً واحداً وروحاً واحداً، إذا كان الروح القدس، لا روح الانشقاق الشيطاني، هو الذي يلهمها ويُلهم أعضاءها والقيّمين عليها؟!
بالمقابل أيضاً، في “كنائسكم” أنتم تتبعون تقاليد معينة بالصلاة وطرق اجرائها، وبالترانيم، والألحان، وتتبعون تقاليد بشرية من صنعكم فيما يتعلق بطقوس معينة تقيمونها مثل طقوس الزواج والجناز والطلاق، وفيما تسمّونه “المعمودية”، وما تسمّونه “الشركة” وما إلى ذلك من تسميات شكلية لمضامين فارغة لديكم. أيضاً لديكم كتب فيها ترانيم وطريقة ترنيمها، وطقوس وطريقة إقامتها، وتعاليم وطريقة شرحها، وتفرضون على خلفائكم في “كنائسكم” اتباعها بكل أمانة. فأنتم لا ترفضون “التقليد” بالمطلق، بل ترفضون “تقليد” الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، بينما تتبعون تقليدكم أنتم الذي أوجدته أيدٍ بشرية منشقة خاطئة. أنتم ترفضون تعاليم وتقاليد القديسين الشهداء والآباء الذين فاحت قداستهم في سير حياتهم وفي تعاليمهم التي دفعوا ثمنها دماً شهادة واستشهاداً، وتطأون الروح القدس في هؤلاء القديسين، وتزدرون بروح النعمة. ومَن يطأ الروح القدس ويخالفه ويتعالى عليه متكبراً، يطأ ابنَ الله، ويزدري بدم العهد، وبالتالي ينطبق عليه قول الرسول: “فكم عقابا أشرّ تظنون أنه يُحسَب مستحقاً مَن داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي قدّس به دنساً، وازدرى بروح النعمة؟ فإننا نعرف الذي قال: لي الانتقام، أنا أجازي، يقول الرب. وأيضاً: الرب يدين شعبه. مخيفٌ هو الوقوع في يدي الله الحي!” (عبر 10: 29-31).
ونحن لا نقول هذا تكبراً أو تبجّحاً، لا سمح الله، ولكن نحذركم أنكم تنساقون بتعاليم متنوعة غريبة، لا بتعاليم الكنيسة المقدسة، وكما يقول الرسول، أنتم تقتاون بأطعمة لا ينتفع بها الذين يتعاطوها (عبر 13: 9).
خامساً: لا توجد “فرائض” ناموسية في المسيحية كما في اليهودية وباقي الديانات. ولكن توجد ممارسات مسيحية يجب على المسيحي ألا يهملها لئلا يفقد الفائدة الروحية المرجوة منها، وبدونها يُحزن الروح القدس الساكن فيه. مثل هذه الصلاة والصوم والصدقات، الخ. فإن كان الرب يطلب منا أن نصلي ونصوم ونتصدّق ونرحم وما إلى ذلك، فهل هذه “فراض” أم “وصايا”؟
الفرائض هي للعبيد، أم الوصايا فهل للأبناء. ونحن لسنا بعبيدٍ ولا يسمّينا الرب عبيداً كما قال هو، بل “أحباء” (يو 15: 15). لهذا فكل الوصايا من الصوم والصلاة والتصدق وأعمال الرحمة والمحبة وسواها هي وصايا أوصانا الرب أن نحفظها. ونحن نلهج بها فنناجي بعجائبه كما يقول المزمور (مز 119: 27). نشتهيها ونتلذذ بها هاتفين له: “لا أنسى وصاياك، لأنك بها أحييتني” (مز 119: 93). فالرب يعطينا وصاياه المحيية، ونحن نفرضها على أنفسنا. هو لا يفرض شيئاً علينا، لأنه يحترم إرادتنا.
أخيراً، نحن على استعداد لمناقشتكم فيما خفي معناه عنكم، وفيما عصي على فهمكم، إن كانت لديكم النية الصادقة والقلب المستقيم، وإلا نقع جميعنا في مباحثات ومماحكات الكلام التي نهى عنها الرسول، والتي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الردية. لنتذكر أيضاً قوله: “إن كان أحدٌ يعلّم تعليماً آخر، ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة، والتعليم الذي هو حسب التقوى، فقد تصلّف، وهو لا يفهم شيئاً”. وإن كان رب المجد هو هو بالأمس واليوم وفي الغد، فتعليمه هو هو لا يتغيّر ولا يتبدل. هكذا تعاليم كنيسته الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية: لا تتغير ولا تتبدل ولا تنحرف، كما أنها لا تظهر فجأة بعد 16 قرناً من تجسد رب المجد، كما ظهرت تعاليمكم وممارساتكم وتقاليدكم!
لن نناقشكم في الآيات الكتابية التي أوردتموها. فهذا الكتاب ليس كتابكم. وهذا واضح من طريقة تفكيركم واختياركم لهذه الآيات وتحوير معناها. ولو عرف كتبتها الأصليون طريقة استعمالكم لها لخجلوا بالنيابة عنكم وطلبوا من رب المجد الرحمة العظمى.
لكنني أقول لكم، إن الصوم عن الأطعمة الحيوانية ومشتقات ومنتجات الحيوان هو تقليد كنسي قديم جداً، ويحاكي حياة الإنسان الأول في الفردوس قبل السقوط. فقبل أن تبدأ الذبائح الحيوانية بسبب السقوط، كان الإنسان يقتات على ثمار البذور والأشجار (تك 1: 29). ولكن الصوم أيضاً صوم انقطاعي لفترات متفاوتة بحسب الحاجة الروحية لكل إنسان. هذا عدا عن الأصوام الاختيارية الطوعية، وصوم يومَي الأربعاء والجمعة، وهو تقليد الكنيسة منذ القرن الثاني أو قبله. لهذا السبب أنتم تتساءلون عن الصوم وتحتارون، لأنكم منقطعون عن الكنيسة وعن تاريخها وآبائها ولا غرو. فالصوم لديكم صوم افرادي اختياري عشوائي، وهذا منطقي لقوم لا ينتمون إلى كنيسة المسيح المقدسة.
ليس كل مَن ادّعى الإيمان بالله هو مؤمن به، وليس كل مَن قرأ الكتاب المقدس هو مسيحي. الكتاب المقدس يعرّف مَن هو المسيحي. نقول هذا لكم لتراجعوا أنفسكم وإيمانكم. ونحن مستعدّون دائماً أن نهدم “ظنوناً وكلَّ علوٍ يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح. نقول هذا لكم لأنكم، كما يقول الرسول الحبيب: “منا خرجوا، لكنهم لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا. لكن ليظهروا أنهم ليسوا جميعهم منا” (1 يو 2: 19). نقول هذا لكي ترجعوا إلى الكنيسة، إلى جسد المسيح المقدس. ومتى عدتم نكون كلنا، أنتم ونحن، “مستعدين لأن ننتقم على كل عصيان متى كملت طاعتكم” (2 كور 10: 6).
كنا نرجو أنكم تصومون هذا الصوم المقدس لتكونوا مستعدين لاستقبال نور القيامة العجيب الذي سطع على العالم أجمع. لكننا نصلي من أجلكم أن يمنحكم إله القيامة كل فهم ومحبة ومعرفة لتصيروا أولاً أعضاء في جسده المجيد، ومن ثم تتذوقون ما أطيب الرب. آمين!
No Result
View All Result