
لاهوت الميلاد
وإذ تجسّد ابن الله الوحيد من مريم البتول حمل خطايانا وكل ما ترتّب عليها في جسده. حملها وكأنها خطاياه هو. هذه هي صورة عبد الله كما رسمها أشعياء النبي في الإصحاح 53 من نبوءته لما قال عنه أنه: “حمل آلامنا واحتمل أوجاعنا… طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا. نزل به العقاب من أجل سلامنا… كلّنا ضللنا كالغنم… فألقى الرب عليه إثمنا كلنا… وبسبب معصية شعبي ضُرب حتى الموت” (إش4:53-8). والرسول بولس عبّر عن تدبير الله الآب، في هذا الشأن، بكلمات قويّة فقال إنه: “جعل الذي لم يعرف خطيّة خطيّة لأجلنا لنصير نحن يرّ الله فيه” (2كور21:5). “صار لعنة لأجلنا” (غلا 13:3) على حد تعبيره.
وأول من لامس سر تدبير الله هذا، سر البراءة المبذولة كان لصّ اليمين لما قال عن نفسه، وبالأحرى عن الناس أجمعين: “أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس في محله. ثم قال ليسوع أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك”. فجاءه الجواب على الفور: “الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس” (لو41:23-43). لماذا فعل الله ما فعله؟ لأنه محبة. لا نقول فقط لأنه يحبّ. هو الحبيب وهو المحبوب وهو المحبة في آن. المحبة هي الله فينا.
والمحبة تفترض أن يشترك الحبيب في ما لحبيبه. لهذا اتخذ ابن الله الوحيد جسدنا واشترك في شقائنا وعانى من خطايانا. كما تفترض المحبة أن يبادر الحبيب إلى نجدة حبيبه، إلى مواجهة ما أخفق حبيبه في مواجهته، إلى خوض معركته عنه، إلى إطلاقه من أسر الخطيئة والموت له. لهذا لما دخل الرب يسوع مجمع الناصرة، في مستهل بشارته، قرأ من سفر إشعياء النبي هذه الكلمات: “روح الله عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين. أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأُرسل المنسحقين في الحريّة وأكرز بسنة الرب المقبولة” (لو18:4-19). ثم عقّب بالقول: “اليوم تمّ هذا المكتوب على مسامعكم” (الآية21). والرب يسوع فعل ذلك، مات لأجل الجميع “كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام” (2كور15:5). المحبة تستدعي المحبة. “يا بني ّ أعطني قلبك” (أم26:23).
وإذا كان الرب الإله قد اتخذ ما لنا فقد أعطانا أيضاً ما له. أعطانا نفسه. أعطانا روحه. أعطانا جسده. هو لنا بمثابة آدم الجديد. ولدنا من جديد بروحه القدّوس. ولدنا من فوق (يو3). “ولدنا ثانية” (1بط3:1) كل ما حققه الرب يسوع في جسده: الغلبة على الموت، الغلبة على الخطيئة، الغلبة على الشرّير… كل هذا مدّه إلينا، بات لنا إذا ما نحن آمنا به واعتمدنا باسمه، إذا ما عشنا من أجله. هذا هو مضمون الإيمان الحي الخلاصي بالمسيح. “من آمن واعتمد خلّص. ومن لم يؤمن يُدَن” (مر16:16).
والخلاص لا يعني الخلاص من الخطيئة والموت وحسب، ولا يعني العودة إلى الحالة التي كان عليها آدم قبل السقوط فقط، بل، بالأحرى، اقتناء روح الرب، أن تكون حياته فينا، أن نعرفه، أي أن ندخل معه في شركة المحبة، أن تكون محبّته فينا، أن نعاينه كما هو. “أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو2:3). الخليقة الجديدة، بهذا المعنى، الخليقة بآدم الجديد، أعظم بما لا يُقاس من الخليقة العتيقة بآدم الأول. وفي تدبير الله أن الخليقة الأولى كانت من أجل الثانية. هذا تسميه كتُبنا ويسميه آباؤنا تأليهاً. “نحن ذريّة الله” (أع29:17). “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1). القول المزموري: “أنا قلت إنكم آلهة وأبناء العليّ أجمعون” (مز6:81) حسبه الأقدمون مجازياً.
أما وقد تجسّد ابن الله الوحيد وأعطانا أن نصير، بالإيمان به، أبناء للعليّ (يو12:1-13). فلم يعد كذلك لأن الإنسان قد صار بالنعمة، بالتبنّي، بروح الرب، إلهاً حقاً. وقد أوجز آباؤنا تدبير الله. في هذا الشأن، بالقولة المشهورة: “صار الله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً” (القديس أثناسيوس الكبير وغيره). يبقى على الإنسان، متى آمن بالرب يسوع، أن يحفظ الأمانة إلى آخر أيام حياته على الأرض. “كن أميناً إلى الموت فأعطيك إكليل الحياة” (رؤ10:2).
والأمانة تحتاج إلى تعب وجهاد. “بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السموات” (أع22:14). كيف لا والجسد ضعيف، الله لم يلغ ضعف الناس بل سكن فيه. السقوط دائماً وارد. المهم متى سقطنا أن ننهض من جديد. هذا العزم على النهوض من جديد، على متابعة السير من جديد، على طلب وجه السيد من جديد، هو ما نسميه التوبة. المهم ألا نيأس، أن يكون لنا رجاء، أن نثبت على الأمانة ومن “يثبت إلى المنتهى فهذا يخلّص” (متى22:10).
كل ما نمر به، في نهاية المطاف، ينفعنا إذا كنا نحبّ الله ونلتمس إرادته. كل ما يأتي علينا من ضيقات ومشقّات يعزّز فينا تواضع القلب إذا ما وضعنا رجاءنا في الله، وما بغير التواضع نماثل الله ونستوعب عطيته التي لا يعبّر عنها. ” تعلّموا مني فإني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت29:11). لقد كان التواضع طريق ابن الله الوحيد إلينا بالتجسّد لكيما يكون التواضع طريق المؤمنين إليه بالقداسة. التواضع طريق الكاملين.
No Result
View All Result