
سرّ التقوى العظيم، أي ظهور ابن الله بالجسد
إنّ العالم المسيحي عموماً والأرثوذكسي خصوصاً يحتفل في هذه الأيام الحاضرة بتذكار تجسُّد كلمة الله الأزلية من العذراء مريم الدائمة البتولية أي بتذكار ميلاد ربنا وإلهنا يسوع المسيح فادي البرية.
ففي سنة ٨٥٠٨ من خلقة العالم قد تمَّ في بلدة بيت لحم اليهودية بقرب مدينة أورشليم في فلسطين “سرّ التقوى العظيم”، أي ظهور ابن الله بالجسد، أو كما يقول بولس الرسول “الله ظهر في الجسد” (۱تي٣: ١٦) وذلك ليصنع فداء لشعبه (لو ١: ٦٨).
ولكن ترى مَن من رجال العهد القديم ما عدا العدد القليل من الأنبياء الملهَمين من الله كان ينتظر أو يفتكر بأن ظهور مسيّا ذلك الملك العظيم الجليل المنتظَر أن يحرِّر إسرائيل سيكون على مثل تلك الحالة الحقيرة المسطورة في الأناجيل؟ لا، بل جميع العلماء ومشاهير الكتبة الأقدمين من إسرائيليين ووثنيين حتى في الزمن المعاصر لمجيء المسيح كانوا يعتقدون بأن ظهوره سيكون بمجد عظيم. ولكن مع هذا كلّه فكيف تروي لنا الأناجيل ظروف ظهور هذا المخلِّص العظيم أي ظروف ميلاده العجيب؟
إن الأناجيل، التي هي المصدر الوحيد الصحيح لمعرفة حقيقة ظروف ميلاد المسيح، تقول إن ربنا وإلهنا يسوع المسيح – كلمة الله المساوية للآب والروح في الأزلية وابن الله الوحيد الغير الموسوع في زمان ولا في مكان حتى ولا في سماء السماوات – لمّا حان كمال الزمان ليُنير جنس البشر “الجالس في الظلمة وظلال الموت” (لو ۱: ۷۹) ويفديه من الهلاك الأبدي، قد سُرَّ أن يتجسَّد من بتول بدون زرع رجل، وهذه البتول المسمّاة مريم كانت ابنة يتيمة وفقيرة بهذا المقدار، حتى إنها بعد وفاة والديها وهي بعد طفلة قد تربَّت في الهيكل في أورشليم إلى أن بلغت السَّنة الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها، فخطَّبها الكهنة وقتئذ إلى رجل نجار بارّ من الناصرة يُدعى يوسف لكي يحافظ عليها ويقوم بمعاشها. فمريم هذه الابنة اليتيمة الفقيرة الغير المعروفة في ذلك الزمان هي التي اختارها مسيّا لأن يتجسَّد من أحشائها بمؤازرة الروح القدس ولأن تكون أمّه الطاهرة وشفيعة الأنام.
أفَلَيسَ هذا سرّاً إلهيّاً عظيماً يصعب إدراكه حتى على العقول الملائكية؟ ولكن الأغرب من هذا هو أنّه لمّا حان وقت ميلاد مسيّا المخلِّص العظيم – وكانت أمّه قد أتَت مع يوسف من الناصرة إلى مدينة داود المسمّاة بيت لحم اليهودية ليكتتبا فيها بموجب الأمر الذي أصدره وقتئذ أوغسطس قيصر بأن يكتتب جميع المسكونة – قد سُرَّ أن يولد ليس فقط في أصغر مدينة من مدن اليهودية أي في بيت لحم المذكورة، بل أيضاً في أحقر مكان فيها، أي في مغارة مستَعمَلة لزَرب المواشي على اختلاف أنواعها في أيام الشتاء! فتصوَّر الآن أيها القارئ العزيز مغارة في البرية مستَعمَلة لزَرب المواشي وتأمَّل بما تكون حاوية من الأوساخ والأقذار فضلاً عن الرطوبة والظلمة ولا سيّما عند منتصف الليل وفي فصل الشتاء! ففي مثل هذه المغارة الحقيرة قد وَلدت مريم البتول “ابنها البكر” بدون طبيب ولا قابلة ولا مساعد غير يوسف البارّ.
وبعد أن ولدته على هذه الحالة المحزنة من الفقر والمسكنة يقول الإنجيل إنها “لفَّته” ولكنه لا يقول بأي شيء. فلا شك بأنها لم تلفّه بقمط ثمينة بل بخرق بسيطة ولا يبعد أن تكون قد لفّته بثوب زائد كان معها أو مع خطيبها بسبب البرد والشتاء. ثم يقول الإنجيل “وأضجعته” ولكن أين؟ أ في سرير أو على مقعد من حرير ؟ كلا. بل لما كانت الحاجة أُمّ الاختراعات فوضعته “في مذود” أي معلف من معالف البهائم فيه تبن أو شعير وذلك لكي يدفأ الطفل نوعاً ما من البرد والرطوبة. وبحسب التقليدات المسلَّمة منذ القديم، لما وضعت مريم طفلها في المعلف تقدَّم ثور وحمار فصارا ينفخان عليه فيدفئانه فتَمَّ بهذا القول بفم أشعيا النبي: “عرف الثور قانيه والحمار معلف صاحبه، لكن إسرائيل لم يعرف وشعبي لم يفهم” (أش۱: ۳). فهكذا كان ميلاد يسوع المسيح مخلِّص العالمين، أي أنه قد ظهر حاملاً صليب الفقر المدقع منذ ولودته.
(القديس رفائيل هواويني_الأعمال العربية الكاملة ج١ ص٦٣٨-٦٣٩. جَمع وتحرير د. عدنان طرابلسي)
مجموعة مواضيع عقائدية وروحية
No Result
View All Result