
كل خطوة محسوبة أمام الله
المطران تيودور الغندور
قصة الراهب الذي كان يعيش في الصحراء، على مسافة بعيدة عن الماء، بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في معناها. رجل مسنّ، متعب، يسير يوميًا طريقًا طويلاً وشاقًا فقط ليملأ جرّته. وفي لحظة ضعف، يراوده الفكر الذي نعرفه جميعًا: «ما فائدة هذا التعب؟». فيبدو الحل منطقيًا: أن يسكن قريبًا من الماء، أن يخفّف المشقة، أن يختصر الطريق.
لكن في هذه اللحظة بالذات، يصبح غير المنظور منظورًا. يظهر ملاك الرب، لا ليوبّخ، بل ليكشف الحقيقة. فهو لا يأتي ليعدّ تعب الشيخ، ولا كمية الماء التي يحملها، بل ليعدّ خطواته. كل خطوة. كل مسافة يقطعها في صمت الصحراء. كل جهد لا يراه أحد سوى الله.
في التقليد الروحي للكنيسة وخاصة الأرثوذكسية، لا يوجد عمل يُصنع بمحبة الله ويكون صغيرًا أو بلا قيمة. آباء البرية يؤكدون ذلك مرارًا: الله لا يقيس النتائج، بل الأمانة. لا يقيس سهولة الطريق، بل ثبات القلب. الملاك لا يقول للراهب إن مكافأته ستكون على الماء، بل على الطريق نفسه. وهنا يتغير كل شيء.
هذه القصة تخاطب حياتنا الكنسية اليوم بشكل مباشر. كم من الناس يقولون: «الكنيسة بعيدة»، «القداس الإلهي يتطلب الكثير»، «الصلوات تأخذ وقتًا»، «التعب كبير»، «الحياة مزدحمة». أفكار بشرية ومفهومة، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى أعذار تقلّل من التزامنا بالله.
في خبرة الكنيسة، لم تكن المسافة يومًا عائقًا. بل غالبًا ما كانت جزءًا من الذبيحة. كم من المؤمنين عبر القرون مشوا ساعات للمشاركة في القداس الإلهي؟ وكم من رهبان اجتازوا الصحارى والجبال والليالي الباردة ليكونوا في موضع الصلاة؟ كانوا يعرفون حقيقة ننسَاها بسهولة: الطريق إلى الكنيسة هو صلاة بحد ذاته.
كل خطوة تُخطى نحو القداس، وكل جهد يُبذل للحضور، وكل تضحية صامتة تُقدَّم من أجل الصلاة والاعتراف والمناولة والثبات في حياة الكنيسة، كلها محفوظة أمام الله. لا شيء يضيع. لا شيء يُهمَل. حتى عندما نصل متعبين أو مشتتين أو بلا كلمات، فإن مجرد حضورنا هو فعل إيمان.
عندما علم الشيخ أن خطواته تُقاس، لم يُقصّر الطريق، بل أطاله. لا بدافع الكبرياء، بل بدافع المحبة. فهم أن التعب ليس عقابًا بل تقدمة. وهكذا نحن أيضًا مدعوون لأن نحوّل المسافة والتعب والصعوبات إلى عطية نقدّمها لله.
القداس الإلهي لا يبدأ عندما يقول الكاهن: «مباركة مملكة الآب والابن والروح القدس»، بل يبدأ عندما نقرر الخروج من بيوتنا، عندما نغلب الكسل، عندما نختار الله قبل الراحة. صحراء الشيخ اليوم قد تكون الزحمة، أو الوقت الصعب، أو الحرّ، أو المطر، أو رتابة الحياة. لكن الملاك ما زال يعدّ الخطوات.
في منطق العالم، نبحث دائمًا عن الطريق الأقصر. أما في منطق الملكوت، فنبحث عن الطريق الأمين. وفي النهاية نكتشف أن كل خطوة خُطيت بمحبة قرّبتنا ليس فقط من الكنيسة، بل من الله نفسه.
فلنحفظ هذا في قلوبنا: أمام الرب، لا توجد خطوة بلا معنى، ولا مسافة طويلة عندما يسير القلب في الاتجاه الصحيح.
No Result
View All Result