
الظّهور الإلهيّ استنارة الإنسان ومسؤوليّته في عالم مجروح
في عيد الظّهور الإلهيّ، لا تحتفل الكنيسة بحدث رمزيّ أو ذكرى تاريخيّة، بل تعلن ظهور الثّالوث القدّوس وبداية مسيرة تقديس الإنسان والعالم.
فالابن ينزل إلى مياه الأردن، والرّوح القدس يحلّ بهيئة حمامة، والآب يشهد من السّماء: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرت».
هنا ينكشف سرّ الله الواحد في ثلاثة أقانيم، ويُفتَح أمام البشريّة طريق البنوة والاستنارة.
يرى الآباء أنّ معموديّة المسيح ليست حاجة له، بل عمل خلاصيّ لأجلنا. يقول القدّيس غريغوريوس اللّاهوتي في عظة الظّهور الإلهيّ: «المسيح يستنير، فلنستنر معه. المسيح يعتمد، فلننزل معه لكي نصعد معه».
فالاستنارة هنا ليست معرفة عقليّة، بل تحوّل وجوديّ، أن يدخل الإنسان في نور الله، وأن ينعكس هذا النّور في حياته وسلوكه. لذلك ترتبط المعموديّة في الفكر الأرثوذكسيّ بالمسؤوليّة الأخلاقيّة والرّوحيّة، لا بالطّقس وحده.
تؤكد نصوص خدمة تقديس المياه العظمى أن نزول المسيح إلى المياه هو بدء تقديس الخليقة كلّها، «اليوم تقدّست طبيعة المياه، واليوم انفتحت ينابيع الشّفاء»
هذا الإعلان اللّيتورجيّ يحمل بعدا لاهوتيا عميقا، فالعالم ليس شرّا بحد ذاته، بل مدعوّ إلى الشّفاء والتّجديد. ومن هنا، يعلّمنا القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم أنّ العبادة الحقيقيّة لا تنفصل عن الحياة اليومية، إذ يقول: «لا تقل إنك تعرف الله إن كنت تظلم أخاك، لأن معرفة الله تُختبَر في المحبّة والعدل»
في عالمٍ يسوده الظّلم، لا يمكن للمسيحيّ أن يكتفي بنورٍ داخليّ منفصل عن الواقع. فالظّهور الإلهيّ هو إعلان ملكوت الحقّ، والملكوت ليس فكرة روحيّة مجرّدة، بل دعوة إلى العدل والكرامة الإنسانيّة.
القديس باسيليوس الكبير يربط بوضوح بين الإيمان والعدالة الاجتماعية، فيقول: «من يسرق ثوب الفقير يُدعى لصا، وكذلك من يستطيع أن يعين ولا يعين»
إذا، من يستنير بنور الظّهور الإلهي، يُدعى إلى رفض الظلم والكذب، إلى الدّفاع عن المظلوم لا بالصراخ بل بالفعل، إلى جعل الإيمان شهادة حيّة في الموقف والعمل والكلمة.
فالحياد أمام الظّلم ليس وداعة، بل إنكار للنّور.
ماذا نُظهر للعالم في عيد الظّهور؟
نظهر أن الله الّذي ظهر في الأردن ليس إلها بعيدا، بل إلها يدخل عمق الجراح البشريّة ليشفيها. ونظهر أنّ الكنيسة ليست جماعة منسحبة من التّاريخ، بل جسدا يشهد للحقّ بالمحبّة، وللعدل بالوداعة، وللنّور بالأمانة.
وبناء على كل ما تقدّم علينا أن نسلك كأبناء النور، إيمانا بلا تزوير، تواضعا بلا خنوع، ومحبة لا تنفصل عن الحقّ.
فالظّهور الإلهيّ لا يُحتفَل به فقط، بل يُعاش حين يصير المؤمن أيقونة حيّة للنّور الّذي لا يغرب.
No Result
View All Result