
يوم زار مار شربل دير مار أنطونيوس قزحيا !
كتب فادي شربل داود
كان يوسف زعرور ( مار شربل ) قد تجاوز حداثة الصبا، وصار شابًا يافعًا، تتقدّم به السنون نحو العشرين، فيما روحه تسبق عمره بخطوات بعيدة. عرفه أهل بقاعكفرا هادئ القسمات، ناحل الجسد، أسمر الوجه، قليل الكلام، كثير العمل، يمشي بثبات كمن يعرف وجهته، ويصمت بعمق من يحمل في داخله سرًّا أكبر من الكلمات.
كان عمّه طانيوس يرى فيه عونًا وسندًا، ويأمل أن يشاركه تعب الأرض وقساوة المواسم. غير أنّ قلب يوسف كان قد بدأ يميل إلى أفق آخر. وكان له خالان راهبان في دير مار أنطونيوس قزحيا، ذاك الدير المعلّق بين الصخر والصلاة، غير البعيد عن بقاعكفرا، والقريب جدًّا من السماء.
في فجر أحد الأيام، شدّ يوسف رحاله. خرج قبل أن تستيقظ البيوت، فيما الضوء يتسلّل خجولًا من خلف الجبال. كانت السماء تبدّل أثوابها ببطء: من زرقة داكنة إلى رمادٍ مضيء، ثم إلى ذهبٍ خفيف. تجاوب صياح الديكة في القرى المتناثرة، ثم سكت كل شيء حين انحدر إلى الوادي، حيث للصمت هيبة، وللهدوء صلاة.
توقّف الشاب، رفع عينيه إلى العلوّ، وشعر أنّ الخليقة كلّها تسبّح. جثا على ركبتيه، لا ليطلب، بل ليشكر. في تلك اللحظة، كان قلبه يصلّي قبل شفتيه، وكأنّ الله أقرب من النفس.
تابع طريقه، حتى بدا له الدير مع الصباح الطريّ. حجارة قديمة تشهد لقرون من التعبّد، وأشجار تحرس المكان بصمت. دخل الكنيسة، فغمرته رائحة البخور، وسكن قلبه دفء غريب. صلّى طويلًا، لا يطلب علامة، بل نورًا يدلّه على الدرب.
كان خالاه، الأب أوغسطينوس والأب دانيال، قد أنهيا صلاة الليل. رأياه ساجدًا، فعرفا أنّ هذا الشاب ليس زائرًا عابرًا. جلس معهما، وأصغى. تحدّثا عن الرهبنة لا كفكرة، بل كحياة: عن الصمت الذي يعلّم، عن الطاعة التي تحرّر، عن الفقر الذي يملأ القلب غنى.
تكرّرت زيارات يوسف. ومع كل زيارة، كان شيء ما ينفصل عنه: خوف، تردّد، أو تعلّق خفيّ. وفي إحدى المرّات، دار الحديث عن الدعوة. قال أحد الراهبين إنّ الله لا يصرخ، بل يهمس، ومن كان قلبه ساهرًا يسمع.
حينها، رفع يوسف رأسه، وقال بهدوء حاسم: «أنا أريد أن أتبع المسيح».
ساد صمت قصير. ثم قيل له إنّ الطريق صلاة وصبر، وإنّ النداء لا يُنتزع، بل يُنتظر. وإن جاء، لا يقف في وجهه عمّ ولا سلطان.
خرج يوسف من الدير في ذلك اليوم، وليس كما دخل. كان يشعر أنّ داخله يُعاد ترتيبه. لم يسمع صوتًا مسموعًا، لكنّ ترنيمًا خفيًّا كان يتردّد في أعماقه، كأنّ الربّ يهيّئه لخطوة آتية.
عاد إلى بقاعكفرا، إلى البيت والأرض والناس، لكنّ قلبه بقي معلّقًا هناك، في قزحيا، حيث تعلّم أنّ الله يُزار أولًا في الصمت، قبل أن يُتبع في الطريق….
فادي شربل داود
١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
No Result
View All Result