
الشيطان يهزم بسهولة الذين استسلموا للإعجاب بالذات
كان هناك راهب شاب، بعدما عاش قليلًا في الدير، بدأ يطلب من رئيس الدير الإذن ليعيش في البرية. وعلى الرغم من أن الشيخ المجرب كان يحثه كثيرًا على ألا يتعجل تنفيذ قصده، ظل الراهب على عناده، فاضطر الشيخ إلى الإذعان. فذهب الراهب إلى البرية، ولما وجد مغارة سكن فيها. وبدأ يجتهد في التأمل الإلهي، والصلاة، والصوم. وما الذي يبدو أفضل من هذه الحياة؟ لكن الشيطان لم يكن نائمًا. في البداية أخذ يزعجه بأفكار شريرة؛ ولما لم تفلح هذه في صرفه عن الطريق، بدأ يعمل بطريقة أخرى. إذ تشكّل في صورة ملاك نور وظهر للناسِك غير الخبير وقال له: «اعلم أنه من أجل طهارتك وسيرتك الصالحة أرسلني الرب لأخدمك».
فصرخ الراهب بدهشة: «وماذا صنعتُ أنا حتى تخدمني الملائكة؟»
أجابه الشيطان: «كل ما فعلته حتى الآن عظيم وسامٍ أمام الله. لقد تركتَ العالم وصرتَ راهبًا؛ وتُتعب نفسك دائمًا بالصلاة والصوم؛ بل ذهبتَ حتى إلى البرية. فكيف لا تخدمك الملائكة؟»
أثّرت هذه الكلمات الشيطانية في قلب الراهب تأثيرًا عميقًا، وبدأ يفكر قائلًا: «لعلّي حقًا عظيم وعالٍ أمام الله!» أما الشيطان فتابع عمله، وكان لا يزال يظهر له، ولكي يهلكه بسرعة أكبر أضاف إلى مكايده السابقة حيلة جديدة. فقد كان هناك رجل قد سرقه لصوص، ففكّر أن يسأل هذا الراهب عن المسروقات. وفي ذلك الوقت ظهر الشيطان للراهب وقال له: «للرجل الذي سيأتي إليك قل إن ما سُرق منه موجود في المكان الفلاني». فجاء الرجل المسروق فعلًا، فأرشده الراهب إلى مكان المسروقات فعادت إليه. ولأجل هذه الخدمة مجّد ذلك الرجل الراهب في كل تلك البلاد كأنه نبي، وبدأت الجموع تتقاطر إليه، وكان يتنبأ للجميع، وانتشرت شهرته في كل مكان. وأخيرًا عزم الشيطان على هلاكه نهائيًا. فظهر له مرة أخرى وقال: «اعلم، أيها الأب، أنه من أجل حياتك الملائكية الطاهرة سيظهر لك قريبًا ملائكة آخرون، وسيأخذونك بجسدك إلى السماء، وهناك ستملك إلى الأبد مع جميع القديسين».
فلما سمع الراهب هذا اضطرب، وبواسطة الأخ الذي كان يأتيه بالطعام طلب إلى رئيس الدير أن يأتيه للمشورة. ولم يتأخر الشيخ في المجيء.
«آه! – صرخ المفتون عندما رآه – بماذا أكافئك، أيها الأب، على كل ما فعلته لأجلي؟»
«وماذا فعلتُ أنا لك؟» – سأله رئيس الدير.
«كيف ماذا؟ – أجاب الراهب – بواسطتك استحققتُ أن ألبس الزيّ الملائكي؛ ومن أجلك نلتُ موهبة النبوة؛ وبسببك أرى الملائكة، وغدًا سأُرفع بواسطتهم إلى السماء!»
فخرج الشيخ عن صبره عندما سمع هذه الهذيانات من المفتون، ووبّخه بشدة، وقال في الختام: «لن أخرج من عندك حتى أرى بعينيّ ما يُعدّ لك». فأغلق عليهما وبقي مع الراهب في المغارة. وحانت ساعة تنفيذ الوعد الشيطاني، فلما رأى الراهب الشياطين صرخ: «ها هم قد جاؤوا، أيها الأب!» عندئذٍ أمسك رئيس الدير به وقال: «يا رب يسوع المسيح، ابن الله، أعن هذا العبد المخدوع، ولا تسلمه لامتلاك الأرواح النجسة!» فأحاطت الشياطين بالمفتون، وحاولت أن تنتزعه من يدي الشيخ؛ لكن الأخير انتهرها، ولما لم تستطع أن تأخذ من كان قد صار شبه تام في قبضتها، خطفت عباءته واختفت. وبعد قليل سقطت العباءة المخطوفة من فوق إلى الأرض، فقال الشيخ للراهب: «أتَرى، أيها الأحمق، ماذا فعلت الشياطين بعباءتك؟ هكذا كانوا يريدون أن يفعلوا بك أنت أيضًا، وكنتَ ستسلّم نفسك الشريرة إليهم هلاكًا».
ثم أعاده إلى الدير، وألزمه بالخدمة في المخبز والمطبخ وبالاشتراك في سائر الأعمال الديرية، وبهذا، إذ أخضع أفكاره للاتضاع، خلّصه.
فتعلّموا من هذا، أيها الإخوة، أن تطلبوا ملكوت السماوات بطريق التواضع، والصبر، والطاعة؛ واتركوا الرغبة الباطلة في طلب العجائب؛ ولا تظنوا أنكم ستستحقونها حتمًا؛ وأخيرًا لا تنسوا أن الشيطان لا يراقب أحدًا ولا يسخر من أحد كما يفعل مع أولئك الذين يطلبون الخلاص في الظاهر، لكنهم خفيفو العقل ومصابون بالغرور الروحي. آمين.
No Result
View All Result