
الزنى والخيانة الزوجية في ضوء تعليم المسيح والكنيسة الأرثوذكسية
الخيانة عبر العصور
الخيانة الزوجية كانت موجودة عبر العصور، لكنها اليوم أصبحت أكثر سهولة وانتشارًا بسبب منصات التواصل الاجتماعي.
فالرجل المتزوج قد يتعرّف إلى امرأة متزوجة، وتبدأ بينهما علاقة عبر الإنترنت تتحوّل تدريجيًا إلى إدمان، فينعزل عن زوجته، يهجر مضجعها، ويبتعد عنها جسديًّا. وبينما يُشبِع نفسه عاطفيًّا وربما جسديًّا إن تطوّرت العلاقة إلى لقاء، تعاني الزوجة من الحرمان، فتبحث بدورها عن إشباع عاطفي، وتدخل في محادثات مع رجال عبر الإنترنت، وقد تنتهي بعلاقة جسدية مع غير زوجها. وهكذا يتسلّل الزِّنى إلى البيت، ويحلّ محلّ القداسة، فيُدنَّس ما كان يجب أن يكون كنيسة صغيرة للمسيح.
الخيانة الرقمية التي يتم الإعلان عنها تحت مُسمّى “الحب”
رغم أن الخيانة غالبًا ما تتم في الخفاء، إلا أنها أصبحت مقبولة اجتماعيًّا حين تُعلَن تحت اسم “الحب”. فلا بأس أن يهدم هذا الحب زواجًا طويلًا، أو أن يتنازع الزوجان على حضانة الأولاد، أو أن يُغيّر أحدهما عقيدته ويترك كنيسته لتسهيل الطلاق والارتباط بشريك جديد. لكن هذا “الحب” قد يبرد كما حدث سابقًا، وتُعاد الخيانة من جديد.
يبقى الأطفال هم الضحية الأولى والأخيرة.
هل الخيانة عبر الإنترنت أقل ضررًا؟
قد يظن البعض أن العلاقة عبر الإنترنت، طالما بقيت سرّية ولم تتحوّل إلى لقاء جسدي، لا تُعد خيانة حقيقية. لكن في نظر المسيح، الزنى لا يبدأ بالفعل، بل بالنظرة والفكر، حيث قال: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لَا تَزْنِ” (متى ٥:٢٧)
بهذا يُشير إلى الوصيَّة السابعة من الوصايا العشر، وهي وصيَّة إلهيَّة قاطعة لا تحتمل التأويل أو التخفيف، فالله الخالق يأمر الإنسان بالامتناع الكامل عن الزِّنى، دون استثناء أو تبرير، لأن هذه الخطيئة تُفسد النفس والجسد، وتُبعد الإنسان عن القداسة التي دُعي إليها.
وفي الفكر الأرثوذكسي، الزواج سرٌّ مقدّس يربط المسيح بين الزوجين، وأي علاقة خارج هذا السر تُعد زنى، سواء كانت جسدية أو فكرية. والزنى عبر الإنترنت، وإن لم يُدنّس الجسد، فهو يُدنّس القلب، ويُطفئ نعمة الروح، ويُهدّد خلاص النفس. ولذا فإن الرب يسوع جعل الوصية أكثر تعقيدًا وجعلها فكرية (عبر الإنترنت) لا جسدية فقط، قائلاً: “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ!” (متى ٥: ٢٨)
النظرة بشهوة: الرجل والمرأة معًا
النظرة بشهوة لا تقتصر على الرجل، بل تشمل المرأة أيضًا. فمجرد نظرة مشتهاة تكفي ليُدان الإنسان بالزنى، ويخون زوجه إن كان متزوجًا.
لكن كيف يُقاوم الرجل النظر إلى امرأة فائقة الجمال دون أن يشتهيها؟
وكيف تُقاوم المرأة النظر إلى رجل جذاب الهيئة دون أن يتحرّك فيها فكر الشهوة؟
وما أكثر الصور والفيديوهات التي تُغذّي هذه الشهوة على منصات التواصل، وفي الحياة اليومية!
حتى النساء يشتهين جمال غيرهن، والرجال يتمنّون وسامة غيرهم، وهنا تنطبق الوصيَّة الإلهيَّة على الجميع: “لَا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ… وَلَا ٱمْرَأَتَهُ…” (خروج ٢٠:١٧) وصيَّة مطلقة، غير مشروطة، تُدين كل من يشتهي ما ليس له، سواء كان جسدًا أو جمالًا أو حتى نظرة!
العقوبة الإلهية للزِّنى الفكري والجسدي
لقد أوضح الرب يسوع أن عقوبة خطيئة الزِّنى، سواء عبر الإنترنت أو جسدية، في كل الأحوال هي جهنم، حيث قال: “فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ، فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يُهْلَكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلا يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ!” (متى ٥:٢٩)
وهنا يُشير لزنى القلب أو الفكر بالطبع الزنى الذي يمارس عبر الانترنت..
ويُكمل: “وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ، فَٱقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يُهْلَكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلا يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ!” (متى ٥:٣٠)
وهنا يٌشير للزنى الجسدي!
وهذا يعني أن الضرر سيُصيب الإنسان روحيًّا ويؤدي به إلى الهلاك الأبدي، ففي نظر ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، ليس هناك أي فرق بين الزِّنى الجسدي والزِّنى عبر الإنترنت، وكلاهما سيؤديان بصاحبهما إلى الموت!!
صوت الآباء القديسين
يقول الجليل في القدِّيسين يوحنَّا ذهبي الفم، رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، في كتاب عظاته ينبوع النعمة: “إِذَا كَانَ ٱلْقَائِلُ لِأَخِيهِ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا نَارَ جَهَنَّمَ، فَمَاذَا يَجِبُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ إِخْوَتَهُمْ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ ٱلْأَيْتَامِ، وَيَنْهَبُونَ بُيُوتَ ٱلْأَرَامِلِ، وَيَحْلِفُونَ وَيَكْذِبُونَ…؟ وَمَا لِي أَتَكَلَّمُ عَنْ هَؤُلَاءِ وَأَتْرُكُ ٱلَّذِينَ يَهْجُرُونَ نِسَاءَهُمْ، وَيُبْغِضُونَ ٱلزَّوْجَةَ ٱلشَّرِيكَةَ،
صَاحِبَةَ ٱلْعَهْدِ، ٱلْمَأْخُوذَةِ مِنْ ضِلْعِ ٱلرَّجُلِ، ٱلْقَرِينَةِ ٱلطَّاهِرَةِ، وَدِيعَةِ ٱلْمَسِيحِ! فَإِنِّي أَرَى جَمَاعَةً مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُبْغِضُونَ نِسَاءَهُمْ، وَيُشَوِّشُونَ نِظَامَ بُيُوتِهِمْ، وَيُهْمِلُونَ ٱلنَّظَرَ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَيَرْتَكِبُونَ شُرُورًا كَثِيرَةً… حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يُصْطَحِبُونَ ٱلْعَوَاهِرَ، وَيُنَجِّسُونَ ذَوَاتِهِمْ، وَيُدَنِّسُونَ طَهَارَتَهُمْ، وَيَصِيرُونَ ضِحْكَةً لِلْخَارِجِينَ، وَلُعْبَةً وَهُزُؤًا لِلشَّيْطَانِ!”
ثم يُذكِّرنا بكلام بولس الرَّسُول: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ ٱللهِ، وَرُوحُ ٱللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (١ كورنثوس ٣:١٦) فَمَنْ يُفْسِدُ جَسَدَهُ ٱلَّذِي هُوَ هَيْكَلُ ٱللهِ، فَإِنَّ ٱللهَ يُفْسِدُهُ!
ويُكمل: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ ٱلْمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ ٱلْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا!” (١ كورنثوس ٦:١٥)
“كُلُّ خَطِيَّةٍ يَفْعَلُهَا ٱلْإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ ٱلْجَسَدِ، لَكِنَّ ٱلَّذِي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ” (١ كورنثوس ٦:١٨)
“لَا تَضِلُّوا: لَا زُنَاةٌ وَلَا فَاسِقُونَ… يَرِثُونَ مَلَكُوتَ ٱللهِ” (١ كورنثوس ٦:٩–١٠)
ثم يُضيف القدِّيس:
“وَٱسْمَعْ قَوْلَ ٱللهِ عَلَى لِسَانِ ٱلنَّبِيِّ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: “لَا تَعُودُوا تَأْتُونَ بِتَقْدِمَةٍ بَاطِلَةٍ” (إشعياء ١:١٣)
وَإِنْ قُلْتُمْ: “فَلِمَاذَا يَفْعَلُ ٱلرَّبُّ بِنَا هَكَذَا؟” قُلْتُ: “لِأَنَّ بَيْتِي ٱمْتَلَأَ مِنْ دُمُوعِ نِسَائِكُمْ وَتَنَهُّدِ زَفَرَاتِهِنَّ!” لِأَنَّكَ غَدَرْتَ بِٱمْرَأَةِ شَبَابِكَ، وَشَرِيكَتِكَ، وَٱمْرَأَةِ عَهْدِكَ، ٱلَّتِي أَشْهَدْتَ ٱلرَّبَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا. أَوَلَيْسَ ٱلرَّجُلُ وَٱلْمَرْأَةُ وَاحِدًا؟ فَٱحْتَفِظُوا بِأَنْفُسِكُمْ، وَلَا يَغْدِرِ ٱلْإِنْسَانُ بِحَلِيلَتِهِ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ… لَكِنِ ٱفْرَحْ بِٱمْرَأَةِ شَبَابِكَ، وَتَأَلَّفْ بِحَلِيلَتِكَ، فَإِنَّ طُرُقَ ٱلْأَخْيَارِ طَاهِرَةٌ، وَأَمَّا ٱلْأَنْجَاسُ فَإِنَّهُمْ يَهْلِكُونَ.”
فسبيلنا أن نتمسك بناموس ربنا، ونعدل عن المسالك المؤدية إلى الهلاك، لنَفوز بنعمة ربنا يسوع المسيح، الذي له المجد إلى الأبد. آمين!
يقول القديس باسيليوس الكبير في الرسالة 217 إلى أمفيلوخيوس، وهي من الرسائل القانونية التي يتناول فيها الزنى كخطيئة مميتة، حتى إن كان بالفكر، ويحدّد كيف يجب أن يُعالج بالتوبة:
ٱلزِّنَى، حَتَّى إِنْ كَانَ بِٱلْفِكْرِ، هُوَ خَطِيئَةٌ مُمِيتَةٌ، لِأَنَّهُ يُفْسِدُ هَيْكَلَ ٱللهِ، أَيْ ٱلْجَسَدَ، وَيُطْفِئُ نِعْمَةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. لِذٰلِكَ، فَإِنَّ مَنْ يَسْقُطُ فِي هٰذِهِ ٱلْخَطِيئَةِ، سَوَاءٌ بِٱلْفِعْلِ أَوْ بِٱلرَّغْبَةِ، يَجِبُ أَنْ يُخْضِعَ نَفْسَهُ لِتَأْدِيبِ ٱلْكَنِيسَةِ، وَيُعَالِجَ نَفْسَهُ بِٱلصَّوْمِ، وَٱلدُّمُوعِ، وَٱلِٱعْتِرَافِ، وَٱلِٱنْقِطَاعِ عَنِ ٱلْأَسْرَارِ لِفَتْرَةٍ مُنَاسِبَةٍ، حَتَّى يُظْهِرَ ثِمَارَ ٱلتَّوْبَةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ، وَيُشْفَى مِنْ جِرَاحِ ٱلشَّهْوَةِ.
ويُضيف:
ٱلَّذِينَ يَسْقُطُونَ فِي ٱلزِّنَى ٱلْجَسَدِيِّ يُمْنَعُونَ مِنَ ٱلتَّنَاوُلِ لِفَتْرَةٍ لَا تَقِلُّ عَنْ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، أَمَّا ٱلَّذِينَ يَسْقُطُونَ فِي ٱلزِّنَى بِٱلْفِكْرِ، فَيُعَامَلُونَ بِتَدْبِيرٍ رُوحِيٍّ صَارِمٍ، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُنَجِّسُوا ٱلْجَسَدَ، فَقَدْ دَنَّسُوا ٱلْقَلْبَ، وَهُوَ مَوْضِعُ سُكْنَى ٱللهِ.
نلاحظ هنا أن القديس باسيليوس يُفرّق بين الزنى الجسدي والزنى بالفكر، لكنه لا يُقلّل من خطورة أيٍّ منهما. ويُشدّد على أن الزنى الفكري يحتاج إلى توبة فعلية، وليس مجرد ندم عابر. ويُوصي بالصوم، والدموع، والانقطاع عن التناول، كعلاج روحي ضروري.
الطلاق ومنصات التواصل: أرقام صادمة
• 60٪ من المطلقين ذكروا أن الخيانة كانت السبب الرئيسي للطلاق.
• 35٪ من هذه الحالات كانت خيانة عبر الإنترنت أو علاقات رقمية.
• دراسة على 627 شخصًا أظهرت أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل يُضعف جودة العلاقة ويزيد التوتر.
• 10٪ من المتزوجين قالوا إن الإنترنت أثّر سلبًا على علاقتهم.
• جامعة سان خوسيه: الإدمان الرقمي مرتبط بسلوكيات خيانة مثل التواصل مع شركاء سابقين.
• الشباب أكثر عرضة للخيانة الرقمية من كبار السن.
• في مصر عام 2022: أكثر من 255 ألف حالة طلاق، والسبب الأكثر شيوعًا هو الخيانة عبر وسائل التواصل. وفي تصريح رسمي لمسؤول مصري “الطلاق سيقل بنسبة 60٪ إذا أُغلقت منصات التواصل الاجتماعي.”
خلاصة روحية واجتماعية
• وسائل التواصل ليست سببًا مباشرًا للطلاق، لكنها تُسهّل الانزلاق نحو الخيانة العاطفية أو الجسدية.
• الزنى الرقمي أو العاطفي يُعد في الفكر الأرثوذكسي خطيئة مميتة، حتى إن لم يُترجم إلى فعل جسدي.
• التهاون في ضبط الحدود الرقمية بين الأزواج يُهدّد قدسية الزواج ويُضعف الثقة.
طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللهَ
🙏🏻نسألُكَ يا ربُّ، يا مُحبَّ البشر، أن تُنقِّي قلوبنا من كل فكرٍ غريب، وتُثبِّت أذهاننا في وصاياك، وتُقدِّس علاقاتنا بنعمة روحك القدوس. احفظ بيوتنا من الزنى والخيانة، واملأها بمخافتك ومحبّتك، واجعلها كنائس صغيرة تُمجِّد اسمك إلى الأبد. آمين. 🙏🏻
جمعته وكتبته: أندرولا كونستنتينيدو
No Result
View All Result