أيقونة السيدة الناصرة في البندقية – Madonna Nicopeia

١- الايقونة اساساً من ايقونات الروم المعروفة في القسطنطينية عاصمتهم آنذاك، وقد انتقلت إلى البندقية بعد مجيء الافرنجة الغربيين للمدينة عام ١٢٠٤. (في ما يعرف بالحملة الصليبية الرابعة).
عن هذا الموضوع، اي عن حملة عام ١٢٠٤، يخبر “جيوفاني راموسيو” ، وهو جغرافي ورحالة ومؤرخ من البندقية حوالي عام ١٥٥٩ ما يلي :
“كان البنادقة يقومون بتدمير أسوار المدينة وأبراجها ليلًا ونهارًا بمختلف الآلات العسكرية، وقد كثفوا جهودهم الحربية، وخاضوا معارك ضارية من منطقة إلى أخرى؛ وفي إحدى هذه المعارك، غنموا ببسالة راية الطاغية، ولكنهم بفرح أكبر غنموا لوحةً رُسمت عليها صورة السيدة العذراء، التي حملها أباطرة الروم باستمرار في حملاتهم، إذ كانت كل آمالهم بسلامة الإمبراطورية وخلاصها معلقةً عليها. كان البنادقة يعتزون بهذه الصورة اكثر من كل الثروات والمجوهرات الأخرى التي غنموها، وهي اليوم تُكرَم بإجلال وإيمان كبيرين هنا في كنيسة القديس مرقس، وهي تُحمل في مواكب خلال أوقات الحروب والاوبئة، وللدعاء من أجل هطول الأمطار والطقس الجيد.”
صحيح ان الروم حرروا القسطنطينية مجددا بقيادة الامبراطور ميخائيل الثامن باليلولوغوس عام ١٢٦١، إلا ان هذه الايقونة مع الكثير من الغنائم بقيت في البندقية.
٢- في شباط ١٤٣٨ ، زار بطريرك القسطنطينية يوسف الثاني مع وفد كبير مدينة البندقية. ومن بين ما شاهده يذكر : “وبين ما شاهدناه، الأيقونات المقدسة ، المتألقة بلمعانها الذهبي والتي تذهل الناظرين بعدد أحجارها الثمينة وحجم وجمال لآلئها ورقي وتنوع الفنون المستخدمة فيها. وقد جُلبت هذه المجوهرات إلى هنا وفقًا لقانون الغنائم (νόμῳ τῆς λείας) مباشرة بعد مجيء اللاتين لمدينتنا، وأُعيد جمعها في أيقونة كبيرة جدًا أعلى الهيكل الرئيسي للجوقة الرئيسية. وكانت أبوابه العظيمة تفتح مرتين فقط في السنة، في عيد الميلاد وعيد الفصح المقدس.
بين من يتأملون أيقونة الأيقونات هذه، يشعر مالكوها بالفخر والسرور والابتهاج، بينما يشعر من أخذت منهم – إن كانوا حاضرين، كما في حالتنا – بحزن وأسى وغم. قيل لنا إن هذه الأيقونات جاءت إلى هنا من الكنيسة العظيمة المقدسة. لكننا تأكدنا، من خلال النقوش وصور الكومنينيين، أنها جاءت من دير الضابط الكل”.
دير الضابط الكل، او الباندوكراتور كان احد اشهر أديار مدينة القسطنطينية، والكنيسة العظيمة المقدسة يقصد بها كنيسة آيا صوفيا، اما الكومنينيون فهم العائلة المالكة في بلاد الروم قبل سقوط القسطنطينية بيد البنادقة عام ١٢٠٤.
٣- الايقونة من النمط نفسه لايقونة موزاييك والدة الإله الشهيرة في كنيسة آيا صوفيا التي يحيط بها الامبراطور يوحنا الثاني كومنينوس (١٠٨٧ – ١١٤٣م ) وزوجته الإمبراطورة ايريني.
طولها ٥٨ سم ، وعرضها ٥٥ ، يحيط بها اطار من الفضة المذهبة المزينة ب ١٦ رسماً بالمينا، والمرصعة بالأحجار الكريمة.
يبدو من نمط رسمها ان الايقونة صنعت في المشغل الإمبراطوري بناءً على طلب شخصي من الامبراطور يوحنا الثاني كومنينوس، وهو المشغل نفسه الذي انجز موزاييك ايا صوفيا المذكور، وهو نفسه الذي كان يحضر مخطوطات الامبراطور التي لا يزال بعضها محفوظاً إلى اليوم (مخطوطات كوكينوفاتوس) .
٤- عينا والدة الاله في هذه الايقونة ينظران إلى اليسار، وهذا دليل على ان الايقونة كانت موضوعة إلى يمين المدخل: اما مدخل الكنيسة او الدير، او مدخل معسكر الامبراطور لانه كان يحمل هذه الايقونة معه في حملاته العسكرية، كما كانت تتقدم المواكب الشعبية والرسمية في المدينة عند عودة الجيش الإمبراطوري للاحتفال بالنصر.
اما اسم هذه الايقونة “السيدة الناصرة” او “مانحة النصر” ، او “مادونا نيكوبيا” (صانعة النصر) كما يسميها البنادقة نقلاً عن اللغة اليونانية، فدليل على ما تقدم، وعلى ارتباط هذه الايقونة بالعرش الإمبراطوري في القسطنطينية وبالحملات العسكرية.
نلاحظ ايضاً ان والدة الاله في هذه الايقونة وان كانت تحمل المسيح في وسطها وليس على يدها اليسرى كما درجت العادة إلا انها هنا ايضاً تشير اليه بإصبعها: “هو الطريق ، مهما قال لكم فافعلوه”. (بينما في ايقونة السيدة المرشدة التقليدية – الاوذيغيتريا- يكون المسيح إلى يسارها وتشير اليه بيدها اليمنى).
بعد انتقال هذه الايقونة إلى البندقية اصبحت بالنسبة للبنادقة ايضاً رمزاً يلجأون اليه، ويحبونه، ويكرمونه ويحافظون عليه.
الاخ رودريك خوري