ساعة سجود
أن نتغذّى بحضور الله الحيّ
التأمل الأول:
نحن هنا، يا رب، أمامك أنت، الله الحي.
ساجدون، نفهم أنّ أول خدمة: التغذّي. نصمت لكي نسمح لك أن تدخل أعماقنا.
كل جوع فينا يُفتضح هنا: جوع للمعنى، للثبات، للحبّ غير المشروط.
وأنت تجيب بصمتك:
«أنا كفايتك». في السجود أمامك نخلع ضجيج العقول. كل ما هو سطحي، كل ما يسرق القلب من بساطته،
نسلّمه لك.
التقوى أن أتدرّب على البقاء أمامك، أن أسمح لحضورك أن يعيد ترتيب داخلي. «التقوى نافعة لكل شيء»
لأنها تربط الزمن بالأبدية.
هنا، أمامك, الحياة الحاضرة لا تُلغى، بل تُشفى، والحياة الآتية لا تُؤجَّل، بل تبدأ الآن.
السجود لك هو تمرين على الأبدية، حيث لا نفعل شيئًا… إلا أن نكون معك.
رجاؤنا فيك أنت،
الإله الذي اختار أن يبقى محبوسًا في بيت صغير كي لا نشكّ في قربه.
أنت مخلّص الجميع، وهنا نحمل أمامك الجميع: المؤمن، والمتعب، والضائع،
ونثق أن قلبك أوسع من صلواتنا.
أمامك، نفهم أن المثال لا يُصنع على المنابر، بل في السجود.
من يجثو أمام القربان، يتعلّم كيف يقف أمام الناس بمحبة. من يسمح لك أن تغيّره في الخفاء،
يصير شهادة في العلن دون أن يتكلّم.
أمام جسدك المبذول،
نسمع دعوة خفيّة: ما زرعته فينا، تريد أن تحييه لا أن يُدفن.
أنت هو المكان الذي فيه تُشفى الدعوة من التعب،
وتعود الموهبة إلى نقائها الأول.
السجود هو هذا الانتباه. أن أضع نفسي أمامك بلا تبرير،
وبلا أقنعة. أن أثبت، حتى عندما لا أشعر بشيء. لأن الثبات أمامك
يخلّصني… ويجعل حياتي خلاصًا لغيري.
الجميع:
يا يسوع الحاضر في القربان، نحن لا نطلب أن نكون عظماء، بل أن نكون أمناء.
لا نطلب كثرة الكلام، بل عمق الحضور. علّمنا في هذا السجود أن نتغذّى بك،
أن نثبت فيك، وأن نحمل إلى العالم ما أخذناه هنا: حياة من الله الحي.آمين
المزمور ١
«من هو الوكيل الأمين الحكيم؟»
من أنت حين لا يراك أحد؟
ومن تكون حين يتأخّر السيّد؟
الوكيل الأمين لا يُعرَّف بالسلطة، بل بالأمانة في الغياب. هو ذاك الذي يعطي الخدم طعامهم في حينه، لا يملأ يديه لنفسه،
بل يحفظ الزمن، والموعد، والجوع. الطعام هنا ليس خبزًا فقط، بل كلمة، ورجاء، وحضور.
كم من نفوس تنتظر حصّتها…وأنت، يا رب، تسألنا في صمت السجود:
هل نُطعم أم نحتكر؟
الطوبى لا تُعطى لمن يعرف، بل لمن يُوجَد فاعلًا. حين يأتي السيّد، لا يبحث عن أعذار، بل عن حياة مطابقة للأمانة.
الأمانة لا تحتاج إلى مفاجأة، لأنها تعيش كل يوم كما لو أنّه يوم اللقاء.
الخطيئة تبدأ هنا، لا بالفعل، بل بالفكرة. حين يتحوّل الانتظار إلى تهاون، وحين يُستبدل الرجاء بالسيطرة،
تفسد السلطة، ويُضرب الضعفاء، ويصير الطعام سُكرًا، والخدمة استهلاكًا.
أمامك، يا يسوع، نفهم أن أعظم خطر روحي ليس العصيان الصريح، بل نسيان مجيئك.
من ينسى أنك آتٍ، يعيش وكأن كل شيء له. ومن يتيقّن من مجيئك، يحيا كمن هو مؤتمن لا مالك.
«يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره»
ليس لأنك إله مباغت، بل لأن القلب الغافل لا ينتظر. المشكلة ليست في توقيتك، بل في يقظة الإنسان.
السجود يعيد إلينا هذه اليقظة: أن نعيش كل لحظة كأنها لحظة لقاء.
ثم تأتي الكلمة العادلة: «من أُعطي كثيرًا يُطلب منه الكثير»
أمام القربان، نرتجف لا خوفًا، بل وعيًا. كم أُعطينا: كلمة، أسرار، نور، دعوة، نعمة…
المعرفة ليست امتيازًا، بل مسؤولية. وكل عطية غير مُعاشة تصير دَيْنًا.
الجميع:
يا رب، في هذا السجود، نضع بين يديك كل ما اؤتُمِنّا عليه: الوقت، الناس، الدعوة، الكلمة،
والقلب نفسه.
علّمنا أن نكون وكلاء لا مالكين، أمناء لا متسلّطين، ساهرين لا غافلين. واجعلنا، حين تأتي، لا نُفاجأ…
بل نَفرَح، لأننا كنّا ننتظرك. آمين
المزمور ٢
1 لماذا ارتجت الامم وتفكر الشعوب في الباطل. 2 قام ملوك الارض وتامر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين 3 لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما 4 الساكن في السموات يضحك.الرب يستهزئ بهم. 5 حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه. 6 اما انا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي 7 اني اخبر من جهة قضاء الرب.قال لي انت ابني.انا اليوم ولدتك 8 اسالني فاعطيك الامم ميراثا لك واقاصي الارض ملكا لك. 9 تحطمهم بقضيب من حديد.مثل اناء خزاف تكسرهم 10 فالان يا ايها الملوك تعقلوا.تادبوا يا قضاة الارض. 11 اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعدة. 12 قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق لانه عن قليل يتقد غضبه.طوبى لجميع المتكلين عليه
التأمل الثالث:
نحن أمامك، يا رب، وأنت تُعلِن ذاتك بوعدٍ قديم:
«وعد الحياة التي في المسيح يسوع». هنا، أمام القربان، نفهم أن الإيمان:
حياة تُعطى، حياة خرجت من قلب الآب قبل الأزمنة الدهرية وسكنت بين أيدينا في جسدٍ مكسور.
بولس يكتب وهو مقيّد، لكن كلمته حرّة. قلبٌ يشهد أنّ السلاسل لا تخنق الرجاء.
«أشكُرُ الله… وأذكرك بغير انقطاع في صلواتي».
هكذا تُولد الكنيسة: أسماء محمولة في الصلاة، دموع محفوظة في الذاكرة، وعلاقة لا يقطعها السجن ولا المسافة.
«أتذكّر دموعك»
يا لها من كلمة تُقال في السجود. أنت، يا رب، لا تتجاهل دموع خدامك.
الدموع لغة الثقة. من يبكي أمام الله، يعترف أنه لا يريد أن يحمل الرسالة وحده.
وهنا، أمام القربان، نسمح لدموعنا أن تكون صلاة.
سرّ الاستمرارية: إيمان بلا رياء، إيمان انتقل كالنار الهادئة من جدّة إلى أمّ،
ومن أمّ إلى ابن. الإيمان ليس اختراع جيل، بل أمانة تُسلَّم.
وأمامك، يا رب، نشكر كل يدٍ خبّأت الإيمان فينا حين كنّا صغارًا ولا نعرف ماذا نؤمن.
الموهبة قد تنطفئ لا بالخطيئة، بل بالإهمال. وفي السجود، تعود النار إلى أصلها. القربان ليس فقط مكان تعزية، بل موضع إيقاظ. هنا نسمع الدعوة من جديد،
لا كواجب، بل كنعمة. أمام جسدك الحاضر، يسقط الخوف. الخوف من الفشل، من الضعف، من الشهادة. الروح الذي يخرج من قربانك
هو روح قوّة المحبة، وروح اعتدال، أي قلب متّزن في العاصفة.
الاستحياء يولد حين ننسى من هو المسيح. ومن يسجد أمام القربان لا يستطيع أن يستحي بالإنجيل، لأن الإنجيل صار أمامه جسدًا متواضعًا،
مرفوضًا، لكن غالبًا.
السجود ليس هروبًا من الصليب، بل قبولًا له من الداخل.
هنا نتعلّم أن الألم لا يُحتمَل وحده، بل في شركة. أنت حملت الصليب، وتدعونا أن نحمل الآلام معك، متقوّين بالله، لا بأنفسنا.
ثمّ تنفتح السماء على السرّ الأعظم: «خلّصنا ودعانا دعوة مقدّسة… لا وفقًا لأعمالنا»
أمام القربان، ينهار منطق الاستحقاق. نحن هنا لا لأننا جيّدون، بل لأننا مدعوّون. النعمة سبقتنا، اختارتنا، وأُعلنت الآن
في جسد المسيح الحيّ.
«أبطل الموت، وأنار الحياة وعدم الفساد»
القربان هو إعلان هذا الانتصار الصامت. الموت واقف عند العتبة، لكن الحياة تسكن المذبح. نحن نسجد لمن دخل الموت وخرج بالحياة،
وجعلنا شركاء هذا النور.
الجميع:
يا يسوع، أمامك، نجدّد إيماننا بلا رياء، نُذكي الموهبة، نخلع الخوف، ونقبل الدعوة.
علّمنا أن نحمل الإنجيل لا كعبء، بل كحياة، وأن نخرج من هذا السجود مُنارين بوعد الحياة التي فيك
المزمور٣
1 مزمور لداود حينما هرب من وجه أبشالوم ابنه. يا رب ما اكثر مضايقي. كثيرون قائمون علي. 2 كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بالهه.سلاه 3 اما انت يا رب فترس لي.مجدي ورافع راسي. 4 بصوتي الى الرب اصرخ فيجيبني من جبل قدسه.سلاه 5 انا اضطجعت ونمت.استيقظت لان الرب يعضدني. 6 لا اخاف من ربوات الشعوب المصطفين علي من حولي. 7 قم يا رب.خلصني يا الهي.لانك ضربت كل اعدائي على الفك.هشمت اسنان الاشرار. 8 للرب الخلاص.على شعبك بركتك.سلاه
التأمل الرابع:
نحن أمامك، يا يسوع، وأنت لا تَعِدُ بالراحة، بل بالحياة. لا تبدأ الدعوة بتعزية، بل بكلمة قاطعة: «مَنْ أراد أن يتبعني…»
أي أنّ التبعيّة اختيار يومي، قرار يُتَّخذ أمامك، مرّة بعد مرّة.
«فليكفر بنفسه»
يعني أن أتوقّف عن جعل ذاتي مركز الكون، أن أتنازل عن حقّي في أن أكون المرجع الأخير.
أمام القربان،
نكتشف أن الذات التي نتمسّك بها
هي غالبًا ما تمنعنا عنك.
«ويحمل صليبه»
الصليب هو قبول طريق الحبّ حتى النهاية.
في السجود، نفهم أنّ الصليب لا يُحمل وحده،
لأنك أنت تحمله معنا.
«ومن أراد أن يخلّص نفسه يفقدها»
أمام جسدك المبذول، تنقلب المقاييس. أنت خلّصت العالم
لا بحفظ حياتك، بل ببذلها.
وهكذا، النفس التي تُغلَق خوفًا تذبل، أمّا النفس التي تُبذَل حبًّا
فتُولد من جديد.
«ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه؟»
أمامك، تسقط الأرقام، وتصغر الإنجازات، وتنكشف الحقيقة:
النفس أغلى من كل ربح، لأنها خُلِقت لتسكن الله. ولا شيء في العالم
يعوّض خسارة هذا السكن.
ثمّ تفتح عيوننا على الأفق الأخير: المجد الآتي.
أنت لا تدعونا إلى الصليب بلا رجاء، بل إلى صليبٍ مفتوح على القيامة.
الآتي في مجد الآب هو نفسه الحاضر في القربان. المستقبل دخل الحاضر،
والملكوت بدأ هنا، لكل من يختار التبعيّة.
«بعض القائمين هنا… سيرون ابن الإنسان آتيًا في ملكوته»
نحن هؤلاء القائمون، حين نركع. نراه الآن بالإيمان، مخفيًّا تحت الخبز،
لكي نراه غدًا وجهًا لوجه في المجد.
الجميع:
يا يسوع، أمامك، نضع نفوسنا لا لنحفظها، بل لنبذلها معك. علّمنا أن نختار الألم لا كخسارة، بل كطريق الحياة. واجعل هذا السجود
بداية تبعيّة جديدة، حيث نفقد ذواتنا فيك … فنجدها.
المزمور ٤
1 لامام المغنين على ذوات الاوتار.مزمور لداود.عند دعائي استجب لي يا اله بري.في الضيق رحبت لي.تراءف علي واسمع صلاتي 2 يا بني البشر حتى متى يكون مجدي عارا.حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب.سلاه. 3 فاعلموا ان الرب قد ميز تقيه.الرب يسمع عندما ادعوه. 4 ارتعدوا ولا تخطئوا.تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا.سلاه. 5 اذبحوا ذبائح البر وتوكلوا على الرب 6 كثيرون يقولون من يرينا خيرا.ارفع علينا نور وجهك يا رب. 7 جعلت سرورا في قلبي اعظم من سرورهم اذ كثرت حنطتهم وخمرهم. 8 بسلامة اضطجع بل ايضا انام.لانك انت يا رب منفردا في طمانينة تسكنني
التأمل الخامس:
نحن أمامك، يا يسوع، أمام القربان، نفهم أن النعمة ليست فكرة لاهوتية، بل حضورًا حيًّا، يتدفّق من جسدك المبذول،
ويدخل ضعفنا ليصنع منه طريقًا.
الإيمان أمانة، ليس ملكيّة. لا يُختزن، بل يُسلَّم. وأمامك، يا رب، نشعر بثقل هذه السلسلة المقدّسة:
من قلب إلى قلب، من جيل إلى جيل، من حياة إلى حياة. لسنا أصحاب الرسالة، بل حرّاسها.
الإيمان ليس راحةً روحية،
بل شركة: «شاركْني احتمال المشقّات» وأنت لا تقول: تحمّل وحدك،
بل: شاركني.
السجود لا يُبعدنا عن الألم، بل يُدخلنا فيه معك، فنحمله لا كعبء قاتل، بل كاتحاد خلاصي.
الجنديّ لا يتعلّق بالتفاصيل، لأن قلبه للرسالة.
أمام القربان، نسألك: كم من الأشياء الصغيرة سرقت قلبنا من دعوتنا؟
المصارع لا إكليل بلا أمانة. لا مجد بلا حق. الطريق مهمّ بقدر الهدف. الوسيلة يجب أن تشبه الإنجيل.
الحارث يتعب أولًا، ثم يأكل. الصبر يسبق الثمر. لا حياة بلا زمن، ولا حصاد بلا انتظار.
الفهم عطية، لا نتيجة ذكاء. وفي السجود، نصمت لا لأننا نفهم، بل لأننا ننتظر أن نفهم بالله.
«تذكّر يسوع المسيح القائم من بين الأموات»
هذا هو المركز. ليس الألم، ولا الخدمة، ولا الرسالة… بل المسيح القائم. أمام القربان،
نرى القيامة مختبئة في التواضع، والحياة مخفيّة في الخبز، والمجد ساكنًا في البساطة.
«كلمة الله لا تُقيَّد» حتى لو قُيِّد الجسد، وحتى لو صُلب الشهود، الكلمة تمضي. وأنت، يا يسوع،
حاضر في القربان ككلمة حيّة، لا سجن يوقفها، ولا زمن يحدّها.
الصبر حبٌّ نشيط. أن أتألّم كي يحيا غيري. هذا هو منطق الصليب، وهذا هو منطق القربان:
جسد يُكسَر ليَحيا العالم. ثمّ تأتي الترنيمة العميقة: «إن متنا معه نحيا معه»
الموت معه ليس نهاية، بل عبور. «إن صبرنا نملك معه» الملكوت يُورَث بالصبر. «إن أنكرناه ينكرنا»
لأن العلاقة لا تُفرض. «وإن كنّا غير أمناء فهو يبقى أمينًا» أمانته لا تتوقّف على أمانتنا. هو ثابت لأنّه هو،
لا لأننا نحن ثابتون.
الجميع:
يا يسوع الحاضر في القربان، نحن نأتيك ضعفاء، فنخرج متشدّدين بنعمتك. نأتيك متعبين، فنخرج شركاء صليبك.
نأتيك خائفين، فنخرج أبناء القيامة. علّمنا في هذا السجود: أن نتشدّد بالنعمة لا بالذات، أن نحمل الإنجيل كأمانة لا كملكيّة،
أن نصبر لا كضحايا بل كشركاء، وأن نثبت فيك… لأنك أنت الأمين،حتى عندما نكون نحن ضعفاء. آمين

















