
الخَضِر والقدِّيسُ جاوُرْجِيُوس: بينَ تَشابُهِ دَلالةِ الأسماءِ ووَهْمِ التَّطابُقِ التَّاريخي
مقدِّمة:
كثيرًا ما يُغري التَّشابُهُ اللَّفظيُّ أو الدِّلاليُّ بينَ الأسماءِ عقولَ البعضِ بالربطِ والتَّطابُق، حتّى يَتوهَّموا أحيانًا أنَّ شخصيَّتَيْنِ متباعدتَيْنِ كُلِّيًّا في الزَّمانِ والعقيدةِ ليستا إلّا وجهَيْنِ لاسمٍ واحد. ومن هذا الباب جاء ادِّعاءُ هؤلاءِ أنَّ الخَضِرَ، «العبد الصالح» الواردَ ذِكرُه في القرآن، هو نفسُه القدِّيسُ جاوُرْجِيُوس في المسيحيَّة، مستندين في ذلك إلى تقارُبٍ ظاهريٍّ بينَ دَلالةِ الاسمين؛ فالخَضِرُ مرتبطٌ بالخُضرة، وجاوُرْجِيُوس في اللُّغةِ اليونانيَّة (Γιώργιος) يعني الحارث أو العامل في الأرض. غيرَ أنَّ هذا الرَّبطَ لا ينهضُ على أساسٍ تاريخيٍّ ولا دينيٍّ، وإنَّما ينتمي إلى مجالِ الرَّمزيَّةِ الشعبيَّةِ والتأويلِ الثقافي، لا إلى حقائقَ واقعيَّةٍ ومعطياتٍ تاريخيَّة.
معنى اسمِ «الخَضِر» في الإسلام:
لقد جاء تفسيرُ اسمِ الخَضِرِ في الإسلامِ واضحًا صريحًا في حديثٍ على لسانِ رسولِ الإسلام، حيث يُبيِّنُ سببَ تسميتِه بقوله: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لأنَّه جلسَ على فَرْوَةٍ بيضاءَ، فإذا هي تَهتزُّ من تحته خضراء» (١).
فهذا النَّصُّ الحاسمُ يَرُدُّ التَّسميةَ في التَّصوُّرِ الإسلاميِّ إلى واقعةٍ محسوسةٍ مرتبطةٍ بإحياءِ الأرضِ بعدَ جدبِها، ويجعلُ الاسمَ مشتقًّا من الخُضرةِ بمعناها العربيِّ المباشر، دونَ حاجةٍ إلى إحالاتٍ لغويَّةٍ أو إسقاطاتٍ ثقافيَّةٍ لاحقة.
وقد تلقَّى المُفسِّرون هذا الحديثَ بالقبول؛ فمثلًا ذكره الطَّبريُّ بقوله: «سُمِّيَ الخَضِرُ لخُضرةِ الأرضِ التي كان يجلسُ عليها» (٢)، والقرطبيُّ يقول: «سُمِّيَ الخَضِرُ لأنَّ الأرضَ تخضرُّ حيثما جلس» (٣). ولم يُعرَفْ عن واحدٍ منهم أنَّه ربطَ اسمَ الخَضِرِ أو شخصيَّتَه بأيِّ قدِّيسٍ أو شهيدٍ مسيحيٍّ.
القدِّيس جاوُرْجِيُوس ليس هو «الخَضِر»:
القدِّيسُ جاوُرْجِيُوس هو من ألمعِ الشهداءِ في تاريخِ الكنيسة، وقد ارتبطت سيرتُه بالجُنديَّةِ ومقاومةِ الوثنيّة، ويُصوَّر في الأيقونةِ الأرثوذكسيَّة فارسًا شجاعًا يقتلُ التِّنين، رمزًا لانتصارِ الإيمانِ على قوى الشَّرِّ والظلام. واسمُ جاوُرْجِيُوس، وإن كان يعني في أصلِه اليونانيِّ «الفَلّاح» أو «الحارث»، فإنَّ هذه الدَّلالةَ لم تتحوَّل إلى معنى متَّصلٍ مباشرةً بإحياءِ الأرضِ أو إخضرارِها، بل ظلَّ الاسمُ وصفًا لغويًّا لا يتجاوزُ أصلَه الاشتقاقي.
ومن هنا يتبيَّنُ أنَّ التَّشابُهَ بينَ الاسمين تشابُهٌ دلاليٌّ عامٌّ لا أكثر، كما أنَّ التَّقارُبَ في معنى الاسم لا يستلزمُ التَّطابُقَ في الهويَّةِ الشخصيَّة. فمَن يحملُ اسمَ «بشارة» لا يعني أنَّه هو نفسُه «فرح»، والشَّخصُ المدعوُّ «شريف» لا يستلزمُ أن يكونَ هو نفسُه «عفيف»!
تداخُلُ الأديانِ والثَّقافاتِ أصلُ الالتباس:
نلاحظُ أنَّ الرَّبطَ بينَ الخَضِرِ والقدِّيسِ جاوُرْجِيُوس ظهر أساسًا في التُّراثِ الشعبيِّ في مناطقِ التَّداخُلِ الحضاريِّ والدينيِّ، حيثُ يتعايشُ المسيحيُّون إلى جانبِ المسلمين والدُّروز، ممَّا يؤدِّي إلى اختلاطِ بعضِ الأسماءِ في الوعيِ الجمعي. وهذه الظاهرةُ، التي يُسمِّيها الباحثون «التَّداخُلَ أو التَّشخيص المشترك»، معروفةٌ في علمِ الأنثروبولوجيا الدينيَّة، وهي تعكسُ حاجةَ المجتمعاتِ إلى رمزٍ واحد، أكثرَ ممَّا تعكسُ حقيقةً واقعيَّةً تاريخيَّةً ثابتة.
وعليه، فإنَّ القولَ بأنَّ الخَضِرَ هو نفسُه القدِّيسُ جاوُرْجِيُوس، لمجرَّدِ تشابُهِ معنى الاسمين، إنَّما هو ادِّعاءٌ باطلٌ وكلامٌ عارٍ عن الصِّحَّة، لا يستندُ إلى وقائعَ تاريخيَّةٍ أو حقائقَ إيمانيَّة. بل الثَّابتُ أنَّ لكلٍّ من الشَّخصيَّتَيْن هويَّتَها الخاصَّةَ ومصدرَها المستقلّ.
الخَضِر في العقيدةِ الدُّرزيَّة:
إنَّ كلَّ ما نستطيعُ أن نقولَه في هذا السِّياق هو أنَّ الطَّائفةَ الدُّرزيَّة تؤمنُ بالتَّقمُّصِ أو تناسُخِ الأرواح (transmigration / reincarnation) كعقيدةٍ مركزيَّة؛ أي إنَّ الرُّوحَ تنتقلُ بعدَ الموتِ إلى جسدٍ جديد، وتستمرُّ هذه العمليَّةُ حتّى تتَّحدَ مع العقلِ الكلِّي. وعليه فإنَّ «الخَضِرَ» القرآنيَّ، وإيليَّا النَّبيَّ، ويوحنَّا المعمدان، والقدِّيسَ جاوُرْجِيُوس، وِفقًا للعقيدةِ الدُّرزيَّة، يُنظَرُ إليهم كأمثلةٍ ونماذجَ لنفسِ الرُّوحِ التي تتجلَّى عبرَ أجسادٍ وأشكالٍ وشخصيَّاتٍ أخرى، يتعاقبُ ظهورُها في أزمنةٍ وعصورٍ مختلفة (٤). وهذا مُنافٍ ومناقضٌ تمامًا لإيمانِنا المسيحي.
خاتمة:
إنَّ المنطقَ السَّليمَ والنَّزاهةَ العلميَّةَ يقتضيانِ أن نُفرِّقَ بينَ التَّشابُهِ في معاني الأسماءِ وتطابُقِ الأشخاص، وبينَ التَّأثيرِ الثقافيِّ الشعبيِّ والوحدةِ التَّاريخيَّة. فالتَّشابُهُ قد يكونُ مدخلًا للفهم، لكنَّه يصبحُ وهمًا حين يُستعمَلُ لإلغاءِ الفوارقِ الإيمانيَّةِ وطمسِ الخصوصيَّات، وإعادةِ تشكيلِ القدِّيسين والشُّهداءِ في كنيستِنا بما يُناسبُ أذواقَ العصر، ويكونُ وِفق «الموضة» الاجتماعيَّةِ السائدة، والنَّزعةِ التَّمهيديَّةِ للدِّيانةِ العالميَّةِ الواحدة، التي تُنحِّي تجسُّدَ اللهِ الكلمةَ وصليبَه وقيامته جانبًا، فتجعلُ موتَ الشُّهداءِ الذين ذاقوا ألوانَ العذاب، وبذلوا دماءَهم وحياتَهم شهادةً لهذا الإيمان، موتًا رخيصًا بلا معنى ولا قيمة.
الأب رومانوس الكريتي
المراجع:
(١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الخَضِرِ مع موسى.
(٢) تفسير الطَّبري (جامع البيان).
(٣) الجامع لأحكام القرآن، سورة الكهف.
(٤) Samy Swayd — Historical Dictionary of the Druzes، Rowman & Littlefield، طبعة 2015.
No Result
View All Result