
القديسة كلارا الأسيزيّة تطرد الجيش التركيّ بالقربان المقدّس
* القصة:
وصل الجيش التّركي في عام 1240 إلى مدينة أسّيزي، ضمن حملة الفتح الإسلامي الذي اجتاح أوروبا آنذاك بهدف نشر الديانة الإسلاميّة بالسّيف والتهديد والقتل، وخطّط الأتراك لمُداهمة دير مدينة “سان داميانو” أوّلًا، حيث كانت القديسة كلارا الأسّيزيّة وراهباتها الأوّلات اللّواتي تبعناها..
فدبّ الرّعب في قلوب الرّاهبات الطّاهرات، وبدأن يصرخن إلى معلّمتهنّ كلارا بصوتٍ مرتجفٍ..
فذهبت ساجدةً أمام القربان الأقدس قائلةً: يا يسوع الوديع، إغفِر لعزيزتك كلارا المسكينة تجرّؤها على وضع يدها حيث الكاهن وحده يمكنه القيام بذلك.. إنما لا يوجد هنا سواك أنتَ ونحن، يجب أن تقول لكَ إحدانا إذًا “تعال.. يَداي غسلتهما الدموع، وتستطيعان لمسَ عرشك..” فحَمَلت الحِقّ (الشّعاع) القربانيّ، بواسطة البشكون (القماشة المكرّسة)..
ووقفت، على الرغم مِن مَرضها، على أسوار الدير، حيث يستطيع المُعادون رؤيتها؛ متسلّحةً بربّ الكون المُحتجب في حِقّ القربان المقدَّس، فسجدت عابدةً الذّي تحمله، علمًا بأنّه لا يَحقّ لها لَمس حِقّ القربان، إنّما فقط في وقت الخطر والإضطهاد، لأنّ الكهنة هم الذين يَلمسونه فقط، ويحملونه بواسطة البشكون، كما ذَكَرتْ القدّيسة كلارا..
ثمّ توسّلت الرّب يسوع، وهي على رُكبتيها: “أنظر يا ربّ، هل من الممكن أن تُسلَّم إلى أيدي الوثنيّين خادماتك العاجزات عن الدّفاع عن أنفسهنّ، اللّواتي علّمتُهُنّ محبّتَك؟. أتوسّل إليكَ يا إلهي حماية هؤلاء الرّاهبات، إذ أعجز بنفسي عن ذلك”. وفجأةً سَمِعت صوتًا من القربان، أشبه بصوت طفلٍ صغيرٍ يقول لها: “سأحميكنّ دائمًا”..
فأضافت: “يا ربّي، إن كانت مشيئتك، إحمِ أيضًا هذه المدينة التي تَعضدُها مَحبّتُك”. فأجابها يسوع: “يجب عليها أن تعاني بعض المِحن، إنّما ستَشمُلها حِمايتي..”.
عندها رفعت القديسة حِقّ القربان، وقالت لراهباتها: “أؤكّد لكنّ يا بناتي، أنّه لن يُصيبكنّ مكروهًا! آمِنَّ بالمسيح وحسب”..
عند ذلك، سيطر الذّعر والرّعدة على الجنود البواسل، وهربوا مخذولين مُتسلّقين جدران الدّير التي كانوا قد إقتحموها..
وقد حذَّرت القديسة كلارا راهباتها اللّواتي سَمِعنّ صوت يسوع، بفعل تواضعها، قائلةً: ” أحرُصنَّ على عدم إخبار أحدٍ بهذا الصّوت ما دمتُ على قيد الحياة، يا بناتي العزيزات”.
* كلارا أو كيارا أو كلير هي تلميذة القديس فرنسيس الأسيزي ورفيقته: لمحة عن حياتها.
– وُلدت كلارا عام 1193، في أسرة أرستقراطيّة ثريّة. تخلّت عن النبالة والغنى لتعيش متواضعة فقيرة، متَّبِعة نمط الحياة الذي إقترحه القدّيس فرنسيس. ورغم أنّ أقاربها، كما كان يحدث في ذاك الزمان، كانوا يخطّطون لِزواجها من شخصيّة مهمّة، إلا إنَّ كلارا، ذات الثامنة عشرة من عمرها، وبتصرّف جريء آتٍ من رغبة عميقة في اتّباع المسيح وإعجابًا بِحياة فرنسيس التقشّفيّة، تركت منزل والديها، وقصدت سرًّا، بِصحبة إحدى صديقاتها، الإخوة الأصاغر في كنيسة بورتسيونكولا الصغيرة.. حدث ذلك مساء أحد الشّعانين من عام1211..
وفي جوٍّ مِن التأثّر الكبير، جرى فعل جدّ رمزيّ: فبينما كان رفاق فرنسيس يُمسكون مشاعل مُضيئة بأيديهم، قَصَّ هو شعرها وارتدت كلارا رداءً تكفيريًّا خَشنًا. فأصبحت منذ ذلك الوقت العذراءَ عروس المسيح، المتواضع الفقير، وتكرَّست كليًّا له. وعلى مثال كلارا ورفيقاتها، إفتتن عدد كبير جدًّا من النساء على مرّ التاريخ بمحبّة المسيح، الذي يملأ قلوبهنَّ بجمال شخصه الإلهي.. والكنيسة كلّها، من خلال الدعوة العُرسيّة الصوفيّة الخاصّة بالعذارى المكرّسات، تبدو الآن على ما سوف تكونه إلى الأبد: عروس المسيح الجميلة الطاهرة..لقد تحدّثت كلارا عن المسيح كعريسها الحبيب في إحدى الرسائل الأربع التي أرسلتها إلى القدّيسة أنياس من براغ، ابنة ملك بوهيميا، التي أرادت السير على خطاها.. فقد إستعملت كلارا في هذا السياق عبارات الزفاف التي قد تُثير الدهشة، ولكنها تؤثِّر في أنفسنا: “عندما تُحبّينه تكونين عفيفة، وعندما تَلمُسينه تكونين أكثر نَقاءً، وعندما تَدعينه يَمتلكك تكونين عذراء. قدرته أقوى، وكرمه أعلى، ومظهره أجمل، والحبّ أعذب وكلّ نعمة أكثر رقّة.. إنّه يعانقكِ الآن بشدّة، هو الذي زيَّن صدركِ بالجواهر.. وتَوَّجَكِ بتاج من الذهب نُقِشت عليه علامة القداس..
لم يكن فرنسيس الأسّيزي، خاصّةٍ في بداية تجربة كلارا الروحيّة، أستاذًا تَتبع تعاليمه فحسب، بل أيضًا صديقًا أخويًّا..
تُشكِّل الصداقة بين هذين القدّيسَين مظهرًا جميلاً جدًّا ومهمًّا. ففي الواقع، عندما تلتقي نفسَان نقيّتان ومضطرمتان بالمحبّة نفسها لله، فإنّهما تَستنبطان من صداقتهما المتبادلة حافزًا قويًّا جدًّا للسير على طريق الكمال.
وبعد أن قضت فترة أشهر قليلة لدى جماعات رهبانيّة أخرى، مُقاومةً ضغوط أفراد عائلتها الذين لم يوافقوا في البداية على خيارها، أقامت كلارا مع رفيقاتها الأوائل في كنيسة القديس
No Result
View All Result