
الأب بيتر مدروسيان، “موسوعة” الكتاب المقدس و اللاهوت الدفاعي في الأرض المقدسة
مقدمة
في الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2019، ودّعت كنيسة القدس والأرض المقدسة واحداً من أبرز وجوهها الكهنوتية والعلمية، الأب بيتر (بطرس) مدروس، المعروف بـ “الأب مدروس”. لم يكن مجرد كاهن رعية، بل كان علامة فارقة جمعت بين اللاهوت العميق، والتمكن اللغوي النادر، وروح الدعابة التي لم تفارقه حتى أيامه الأخيرة.
1. النشأة والجذور (القدس والأصل الأرمني)
ولد “بطرس مدروسيان” (الذي عُرف لاحقاً ببيتر مدروس) في مدينة القدس عام 1949، لعائلة ذات جذور أرمنية كاثوليكية عريقة، لكنه انصهر كلياً في الهوية العربية والفلسطينية لكنيسة الأرض المقدسة.
منذ طفولته، شعر بدعوة خاصة للتكريس، فالتحق بالمعهد الإكليريكي التابع للبطريركية اللاتينية في مدينة “بيت جالا” عام 1962. هناك، تميز بذكاء حاد وشغف بالنصوص الكتابية، مما لفت أنظار معلميه مبكراً.
2. السيامة والمسيرة العلمية “الموسوعية”
سيم كاهناً في حزيران عام 1972 على يد البطريرك “جياكومو بيلتريتي”. ولأن الكنيسة أدركت وزناته الفكرية، أُرسل لإكمال دراساته العليا، فحصل على:
* الدكتوراه في اللاهوت الكتابي: من جامعة القديس توما الأكويني في روما.
* الإجازة في الكتاب المقدس: من المعهد الكتابي البابوي (البيبليكوم) في روما، والمعهد الكتابي الفرنسيسكاني في القدس.
عبقري اللغات:
تصفه مصادر البطريركية اللاتينية بأنه “الظاهرة اللغوية”، حيث كان يتقن أكثر من 10 لغات بطلاقة مذهلة (قراءة وكتابة ومحادثة)، منها: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، العبرية (القديمة والحديثة)، اليونانية، الآرامية، والأرمنية. كان يستخدم هذه اللغات ليس للتباهي، بل للتبشير وخدمة الحجاج القادمين من كل حدب وصوب.
3. الخدمة الرعوية: “الراعي المتجول”
خدم الأب بيتر في عدة رعايا تابعة للبطريركية اللاتينية، وترك في كل منها بصمة لا تُمحى:
* كان كاهناً مساعداً ثم كاهناً أصيلاً في رعايا مثل: بيرزيت، رام الله، عابود، وبيت جالا.
* عُرف بوعظاته التي تمزج بين “العمق التفسيري للكتاب المقدس” و”النكتة الحاضرة”. كان يؤمن أن الفرح هو أقصر طريق لقلوب المؤمنين، فكان أسلوبه يكسر الجمود ويقرب النصوص الإنجيلية الصعبة إلى فهم البسطاء.
4. الحضور الإعلامي والعلاقة مع لبنان
كان للأب بيتر مدروس حضور قوي جداً في الإعلام المسيحي، وتحديداً عبر القنوات اللبنانية:
* تيلي لوميير / نورسات: كان وجهاً مألوفاً للمشاهدين في لبنان والمشرق، حيث قدم برامج لتفسير الكتاب المقدس والرد على الأسئلة اللاهوتية الشائكة.
* كان يُنظر إليه في الأوساط اللبنانية والمشرقية كمرجع “دفاعي” (Apologist)، حيث كان يتصدى بشجاعة للبدع والهرطقات الحديثة، مدافعاً عن الإيمان الكاثوليكي القويم بحجج كتابية دامغة.
5. إرثه الفكري ومؤلفاته
ترك مكتبة غنية من الكتب والأبحاث، ركز فيها على تبسيط الكتاب المقدس، منها:
* ترجمات وتفاسير للمزامير والأناجيل.
* كتب في الردود اللاهوتية والحوار المسكوني والديني.
* كان له عمود ثابت ومقالات دورية في موقع “أبونا” (Abouna.org) التابع للمركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، حيث كان يعلق على الأحداث الراهنة بروح إيمانية.
6. الرحيل والوداع
في صباح يوم الأربعاء 18 كانون الأول 2019، انتقل الأب بيتر مدروس إلى الأخدار السماوية بعد صراع مع المرض. أقيمت جنازته المهيبة في كنيسة البطريركية اللاتينية (الكونكاتدرائية) في القدس، وترأسها المدبر الرسولي آنذاك المطران بييرباتيستا بيتزابالا، بمشاركة لفيف من أساقفة وكهنة الأرض المقدسة ولبنان والأردن.
نعته البطريركية اللاتينية بكلمات مؤثرة، واصفة إياه بـ “الكاهن الغيور، والعالم المتواضع، وصديق الكتاب المقدس”.
ليكن ذكره مؤبدا
No Result
View All Result