
كيف ننال بركة استقبال السيّد؟
عظة في دخول السيّد إلى الهيكل للقدّيس ثيوفان الحبيس – 2 شباط 1861
يا له من مشهدٍ مؤثّرٍ يقدّمه لنا لقاءُ الربّ! سمعانُ الشيخ الطاعن في السنّ يحمل الإلهَ الطفلَ بين ذراعيه، وعن جانبيه يوسف البارّ والفائقة القداسة مريم العذراء؛ وعلى مقربةٍ منهم حنّة النبيّة، وهي امرأة صومٍ وصلاةٍ بلغت الرابعة والثمانين من عمرها. عيونهم كلُّها شاخصةٌ إلى المخلّص. يختفون بتأمّلهم هذا المشهد، ومنه يرتشفون العذوبة الروحيّة التي تغذّي نفوسهم. لكُم أن تتخيّلوا عظَمة البركة التي نالتها تلك النفوس!
ولكن، يا إخوتي، إنّنا جميعًا مدعوّون لا للتصوّر الذهنيّ لهذه الغبطة، بل للتذوّق الفعليّ لها؛ لأنّ الجميع مدعوّون لأن يحووا الربّ فيهم ويحملوه في داخلهم، ويختفوا فيه بكلّ قوّة روحهم. وهكذا، عندما نصِلُ إلى هذه الحالة، لن تكون غبطتُنا أدنى من غبطة أولئك الذين شاركوا في استقبال الربّ. طُوِّبَ أولئك لأنّهم عاينوا؛ أمّا نحن فسنُطوَّب لأنَّنا آمنّا من دون أن نعاين. انتبهوا، سأوضح لكم بإيجازٍ كيف تحقّقون ذلك. إليكم ما يجب عليكم فعله:
1. أوّلاً وقبل كلّ شيء، توبوا. تذكّروا أنّه لا يمكن إتمامُ شيءٍ في الحياة الروحيّة من دون توبة. مهما كان ما يطلبه المرء، فلتكن التوبة بداية كلّ شيء. فمثلما يستحيل بناء البيوت من دون أساس، ويستحيلُ الزرع أو الغرس في حقلٍ من دون تنظيفه، كذلك لا يمكن إتمام شيءٍ في سعينا الروحيّ من دون توبة؛ مهما فعلتُم من دونها، يكون كلُّ شيء باطلًا. لذا، توبوا أوّلاً، أي نوحوا على أفعالكم السيّئة كلّها، واعزموا على أمرٍ واحدٍ وهو إرضاء الله. سيكون ذلك بمنزلة تحويل النظر والجسد كلّه نحو طريق استقبال الربّ وأوّل مدخلٍ إلى هذا الطريق.
2. بعد ذلك، ومع الحفاظ على شعورٍ دائمٍ بالتوبة، رتّبوا لأنفسكم نمطَ حياةٍ وسلوكٍ بحيث يكون الربُّ مخّلصُنا حاضرًا في أذهانكم عند كلّ خطوةٍ تخطونها أو حركةٍ تقومون بها.
سوف يترتّب هذا النظام في داخلكم إذا:
أ) فعلتُم كلَّ ما تفعلونه لمجد الربّ والمخلّص، لأجل المسيح. وهذا لا يقتصر على المآثر فحسب، بل يشمل أيَّ عملٍ تقومون به عمومًا. فالنظر والسمع، والصمت والكلام، والأكل والشرب، والجلوس والمشي، والعمل والراحة؛ كلُّ شيءٍ يمكن تكريسه للربّ وتقديسه باسمه الكليِّ القداسة. وإذ لا تمرّ دقيقةٌ من دون أن نكون منشغلين بعملٍ ما، فإنّكم بترتيب حياتكم بهذه الطريقة، ستستقبلون الربَّ باستمرار، مُحوِّلين أعمالكم كلَّها لمجده.
يمكنكم أن تتمّموا ذلك وتنالوا ثماره بطريقةٍ أنسب إذا قمُتم في الوقت عينه بـما يلي:
ب) إدخال الصلاة في برنامج أعمالكم اليوميّة -في الكنيسة وفي المنزل- ووضع قاعدةٍ لأنفسكم أن تحرصوا كلَّ الحرص على إتمام كلّ وصيّةٍ من وصايا الكنيسة المقدّسة، حتّى أصغرها، من دون عُجبٍ أو تفسيرٍ خاطئ، بل ببساطةِ قلب. وبما أنّ محتوى كلِّ صلاةٍ هو الربّ وتضرُّعنا إليه، فإنّكم، بممارستها أو المشاركة فيها، ستستقبلون الربَّ في مناجاة قلوبكم وبهجتها.
ج) ملء وقت فراغكم بقراءة الكتاب المقدَّس الذي يتكلّم على الربّ، أو الإصغاء إلى حديثٍ عن الربّ، أو التأمُّل الشخصيّ فيه وفي العمل الخلاصيّ العظيم الذي أتمّه على الأرض. حينها سترون بأنفسكم أنّه لن يبقى في داخلكم ولا في خارجكم ما لا يحمل ذكر الربّ ويوجّه انتباهه هو نحوكم، ويجنّد كلّ قواكم الروحيّة لاستقباله ببساطةِ قلب، بعيدًا عن كلّ خرافةٍ وتفسيرٍ خاطئ.
3. مع ذلك، يجب ألّا ننسى أنّ هذه الجهادات والدراسات هي تمهيديّةٌ فحسب. يجب ألّا نتوقّف عندها وحدها، بل يجب أن نسعى نحو ما هو أبعد. فكما أنّ عناصر الحياة الخفيّة تأتي من الطعام الذي نتناوله في شكلٍ صلب، كذلك من هذه الأعمال الملموسة والمنظورة يجب أن تتشكّل في الروح أسمى الميول أو الأشواق نحو الربّ، أي: من خلال جهادنا لتكريس كلّ عملٍ للربّ، يجب أن تكرِّسَ تطلّعاتُنا كلُّها نفوسَنا للربّ وحده؛ ومن خلال إتمام الصلوات كلّها أو المشاركة في الخدم الإلهيّة، يجب أن يتشكّل في القلب انعطافٌ وجدانيٌّ نحو الربّ وحده.
إنّ قراءة الكتاب المقدّس الذي يتكلّم على الربّ والإصغاء إليه يجب أن تستند إلى إرادةٍ تُحوّل انتباه أذهاننا نحو الربّ الواحد والأوحد. تلك الجهادات هي حراثة الحقل، وهذه المساعي هي حصاد ما زُرع. تلك هي الجذع والأغصان، ثمّ سيترتّب استقبالها الربّ من تلقاء نفسه. منذ ذلك الحين، ستبدأ روحنا بتذوّق غبطة سمعان البارّ، أي أنّها ستبدأ في حمل الربّ بين ذراعَي رغباتها وأشواقها نحوه، الربّ الذي يمثّل شبعها ورضاها الكاملَين. هذا ما يُسمّى بتذوّق الربّ، والراحة فيه، والوقوف أمام الله ذهنيًّا، والسير أمام الربّ، والصلاة غير المنقطعة – وهو موضوع جهادات جميع قدّيسي الله ورغباتهم وبحثهم. ثمّ سيترتّب استقبالهم إيّاه من تلقاء نفسه.
أرجو أن تنالوا جميعًا هذه البركة، أنتم الذين تحتفلون الآن باستقبال الربّ. وإذا قال أحدٌ متذمّرًا: “الثمر مرغوب، لكنّ العمل لنيله شاقٌّ جدًّا”، يمكن إجابته هكذا: “حسنًا، ثمّة طريقٌ أسهل أو أبسط. ها هو! تُبْ؛ ثمّ كُنْ غيورًا على إتمام كلّ وصيّةٍ من وصايا الله، وسِرْ سيرًا دؤوبًا أمام الربّ، ساعيًا نحوه بكلّ انتباه الذهن، وبكلّ مشاعر القلب، وبكلّ رغبات الإرادة. وبمجرّد ثباتكَ في هذا الطريق، ستستقبل الربَّ قريبًا. سيدخل فيك ويستريح، كما على ذراعَي سمعان البارّ”. لا سبيل بعد لتخفيف العمل الضروريّ في السعي لاستقبال الربّ بالاعتماد على أيّ شيءٍ آخر. إنّ صلاة يسوع “أيّها الربّ يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني”، يمكنها أن تساعد بقوّةٍ واقتدارٍ في هذا العمل، ولكن ليس من تلقاء نفسها، بل بشرط توجيه كلّ قوى روحنا نحو الربّ! “اصحوا واسهروا” (1 بطرس 5: 8. “اطلبوا ما هو فوق… وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” (كولوسي 3: 1، 3). حينئذٍ، إذ تصبحون “روحًا واحدًا مع الربّ” (1 كورنثوس 6: 17)، ستُعاينون هذا الربّ وتحتضنونه، و”تفرح قلوبكم، ولا ينزع أحدٌ فرحكم منكم” (يوحنا 16: 22)، لا في هذا الدهر ولا في الآتي. آمين.
نقلتها إلى العربيّة أسرة التراث الأرثوذكسيّ
No Result
View All Result