نظرة الآباء إلى العنف في العهد القديم، قراءة لاهوتية تفسيرية مبسّطة

نظرة الآباء إلى العنف في العهد القديم قراءة لاهوتية تفسيرية مبسّطة

مسألة العنف في العهد القديم مسألة قديمة جداً، وقد رد عليها الآباء منذ القرن الثاني، والمهرطق مرقيون كان أول من قال إن إله العهد القديم إله قاسٍ ومختلف عن إله العهد الجديد، وقد قطعت الكنيسة مع كل من يتبعه.

يثير العهد القديم إشكالية لاهوتية وأخلاقية تتعلق بوجود نصوص تأمر أو تروي أعمال عنف وحروب وإبادة، مثل حروب يشوع بن نون وشريعة العين بالعين. وقد استخدم الفلاسفة الوثنيون والهراطقة الغنوصيون، وعلى رأسهم مرقيون هذه النصوص للطعن في صلاح الله ووحدانية الكتاب المقدس واليوم ثمة تعليم جديد لهراطقه وكهنة مزيفين ينتشر ويعود للترويج لهذه الهرطقة.

أمام هذا التحدي، طوّر آباء الكنيسة منظومة تفسيرية متكاملة لا تبرر العنف بحد ذاته، بل تعيد فهمه في إطار خطة الخلاص.

فالحروب لم يردها الله بذاته، بل سمح بها. ولهذا يجب أن نقرأ كل آية قاسية على ضوء هذه الآية الرحيمة: “حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا” (حزقيال 33:11)

المسيح هو مفتاح العهد القديم وهذا إجماع آبائي. لا يمكن فهم العهد القديم بدون نور المسيح الذي جاء ليكمّل أي ليعطي الكمال لكل ما جاء قبله.

وتذكروا أن “الْحَرْفُ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي” (2 كورنثوس 3:6)

كيف يمكن التوفيق بين إله العهد القديم الذي يظهر آمراً بالحرب، وإله العهد الجديد الذي يأمر بمحبة الأعداء؟ وهل الآباء اعتبروا العنف قيمة إلهية أم مرحلة تاريخية؟

قسم الباحثون مناهج الآباء إلى أربعة مناهج رئيسية متكاملة:

*أولاً: المنهج التربوي التدرجي (Paedagogia)*

هو المنهج الأكثر انتشاراً عند الآباء الأنطاكيين والكبادوكيين.

وهو يقوم على فكرة أن الله مرب ٍ يتعامل مع البشرية المتوحشة في طفولتها الروحية بلغة تفهمها. فالشعب العبري الخارج من العبودية المصرية كان محاطاً بشعوب تمارس ذبح الأطفال وتقديم القرابين البشرية. فكان لا بد من شريعة صارمة وقاسية لمنعه من الاندماج فيها.

– يوحنا الذهبي الفم في عظاته على سفر التكوين يقول إن الله سمح بأمور قاسية كالطلاق والحرب لمنع شرور أعظم، مثلما يسمح الطبيب ببتر عضو لإنقاذ الجسد كله.

– القديس أثناسيوس الرسولي يرى أن الشريعة كانت مؤدباً يقود إلى المسيح (غلاطية 3:24).

– القديس باسيليوس في رسائله ميّز بين نوعين من إرادة الله:

الإرادة الذاتية: وهي دائماً الخير والرحمة والحياة، والإرادة بالسماح: وهي أن يسمح الله بشر أصغر ليمنع شراً أكبر.

ثانياً: المنهج الرمزي والروحي (Allegoria)

تميزت به مدرسة الإسكندرية، وعلى رأسها أوريجانوس.

يرى أوريجانوس في كتابه _ضد كلسوس_ أنه من المستحيل أن يأمر الإله الصالح بقتل الأطفال حرفياً. لذا يجب قراءة نصوص الحرب كرمز للحرب الروحية.

– أرض كنعان ترمز للنفس البشرية

– الأمر بالإبادة = الأمر الإلهي باستئصال الخطيئة من القلب بلا تهاون

بهذا يتحول النص من دعوة تاريخية للعنف إلى دعوة أخلاقية دائمة للجهاد الروحي ضد الشر الداخلي.

*ثالثاً: منهج التنازل الإلهي (Synkatabasis)*

صاغه القديس غريغوريوس النيصصي وطوره الذهبي الفم.

يعني أن الله تنازل وتكيف مع لغة البشر وثقافتهم المحدودة. فكُتّاب العهد القديم نسبوا الانتصارات الحربية لله لأن هذه كانت لغتهم الوحيدة للتعبير عن حضور الله معهم. فالوحي استخدم ثقافة العنف السائدة ليوصل رسالة روحية، دون أن يكون العنف هو طبيعة الله.

رابعاً: المنهج المسيحاني عند أوغسطينوس :

وضع المغبوط أوغسطينوس في كتابه _مدينة الله_ القاعدة الذهبية: لا يُفهم العهد القديم إلا بنور العهد الجديد.

ووضع شرطين:

1. الأوامر الحربية كانت أحكاماً قضائية إلهية خاصة ومؤقتة، وليست تشريعاً أخلاقياً عاماً. الله كديان عادل له الحق في معاقبة شر متفاقم، ولا يحق للإنسان أن يقلد هذا الحكم بنفسه.

2. المسيحي ممنوع من استخدام نصوص العهد القديم لتبرير أي عنف شخصي، لأن المسيح ألغى شريعة الانتقام بوصيته “رد سيفك إلى مكانه” (متى 26:52).

يتضح أن آباء الكنيسة لم يتعاملوا مع نصوص العنف بشكل حرفي دفاعي، بل بشكل لاهوتي عميق. واتفقوا على أن:

1. طبيعة الله الثابتة هي المحبة والرحمة، وما يظهر كعنف هو مرحلة تربوية مؤقتة.

2. التفسير الحرفي وحده يؤدي إلى تشويه صورة الله، ولا بد من التفسير الروحي.

3. ذروة الإعلان الإلهي هي يسوع المسيح غير العنيف( الله محبة)، وهو المقياس النهائي لتفسير كل الكتاب المقدس.

وبذلك حوّل الآباء نصوص الحرب من مشكلة لاهوتية إلى أداة للتربية الروحية والأخلاقية.

وفي النهاية أقول، أيها المؤمنون، كونوا حذرين وتسلحوا بالحق والمعرفة وتعاليم الآباء. الحرب على الكنيسة صارت علنية تحت عناوين العلم والمنطق البشري وكل الهراطقات التي يتداولونها اليوم – ومنهم كهنة متعصرنون مزيفون- واجهتها الكنيسة وفنّدتها ومنعتها عبر التاريخ.

الويل لمن لا يقرأ والويل للمجدفين و“الويل لمن تأتي على يده العثرات”.

نحن في الأزمنة الأخيرة ولا بد لهذا كله أن يتم، ” ومن يثبت إلى المنتهى يخلص“.

الأب ثيوذورس داود.

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x