هل الله يعاقب بالأمراض والزلازل؟ قراءة كتابية متكاملة بين العهد القديم والعهد الجديد.

هل الله يعاقب بالأمراض والزلازل؟ قراءة كتابية متكاملة بين العهد القديم والعهد الجديد

مقدمة

  لطالما أوجع سؤال الألم والعقاب ضمير المؤمن: هل كل مرض هو قصاص؟ وهل كل زلزال هو غضب إلهي؟ وهل الله يلاحق الإنسان الخاطئ المصرّ على خطيئته ليؤنبه بالأمراض؟

  الإجابة لا تكمن في آية واحدة معزولة، بل في مسيرة الوحي كاملة، وفي التعليم الرسمي الملزم للكنيسة.

أولاً: الأساس القانوني – من هو الله الذي نتهمه؟

  قبل أن نتكلم عن الغضب، يجب أن نعرف من له الحق أن يفسر طبيعة الله. يحدد *القانون الكنسي 747 §1* أن “للكنيسة الحق الأصيل في أن تبشر بالحقيقة الإنجيلية”، ويضيف *القانون 752* أنه يجب التسليم للتعليم الرسمي للكنيسة في تفسير الكتاب المقدس.

  والتعليم الرسمي يعرف الله بأكثر تعريف تكرر في الكتاب كله، 12 مرة، وهو قوله عن نفسه: “الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ” (خروج 34: 6-7).

  والتعليم الرسمي يمنع اتهام الله بصنع الشر. يقول التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، فقرة 310 و 311: “لماذا لم يخلق الله عالماً لا يوجد فيه أي شر؟… الله بصلاحه اللامتناهي لا يريد الشر، لا الشر الأخلاقي ولا الشر الفيزيائي، بل يسمح به احتراماً لحرية خليقته”. ويؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني في دستور فرح ورجاء Gaudium et Spes فقرة 36: “للخليقة استقلالية وقوانينها الخاصة التي يجب احترامها”. فالزلزال يحدث لأن الصفائح التكتونية تتحرك حسب قانون فيزيائي، والمرض يحدث لأن للجسد قانوناً بيولوجياً. الله سمح بهذه القوانين، لكنه لم يخترعها ليضرب بها.

هذا ما شرحته أهم وثيقة عن الألم في تاريخ الكنيسة الحديث، رسالة البابا يوحنا بولس الثاني الألم الخلاصي Salvifici Doloris فقرة 9: “المسيح لم يجب عن سؤال لماذا الألم بكلام نظري، بل بفعله، بأن أخذ الألم على عاتقه”.

ثانياً: العهد القديم – القصاص ليس انتقاماً بل نتيجة كسر العهد

 في العهد القديم لا يوجد قصاص عشوائي، بل يوجد منطق العهد. في سفر التثنية الفصل 28، وضعت بركات العهد ولعناته: إن حفظت الوصايا تحيا، وإن كسرت العهد تعيش نتيجة كسره. حتى الأنبياء عندما تكلموا عن الجفاف والزلازل ربطوها بالظلم: “لأَنَّكُمْ تَدُوسُونَ الْمِسْكِينَ” (عاموس 5: 11). القصاص كان تربوياً لإرجاع الشعب، وليس انتقاماً مزاجياً.

ثالثاً: العهد الجديد – ثورة المسيح ضد فكرة المرض كعقاب

 جاء المسيح ونسف هذه الفكرة من جذورها. سأله تلاميذه عن المولود أعمى: “مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ؟” فكان جوابه القاطع: “لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ” (يوحنا 9: 2-3).

 التعليم المسيحي فقرة 1500-1505  يبني على هذه الحادثة كل لاهوت المرض: “المرض والوجع جربا الإنسان على الدوام… لكن المسيح لم يشفِ كعقاب أو مكافأة، بل كان شفاؤه علامة انتصار ملكوت الله”. ولذلك الفقرة 1505 تعتبر المرض مكاناً لظهور أعمال الله، وليس مكاناً لظهور غضبه.

رابعاً: هل يؤنب الله الخاطئ المصرّ؟ نعم، لكن كأب لا كجلاد

  هنا بيت القصيد. الكنيسة لا تقول إن الله لا يبالي بالخطيئة. بل تقول إن طريقة تعامله مع الخاطئ المصرّ أعمق وأخطر من ضربة مرض.

  يسميه الكتاب التأديب البنوي Paideia. والنص المرجعي هو عبرانيين 12: 5-11: “يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ… لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ”. وهذا هو نفس مبدأ القانون الكنسي في القانون 1311 §2 الذي يقول إن غاية كل عقوبة في الكنيسة هي “إصلاح المذنب” وليس الانتقام.

كيف يتم هذا التأنيب؟ على ثلاث مراحل:

1. التأنيب الداخلي – الضمير: يسميه المجمع الفاتيكاني الثاني في Gaudium et Spes فقرة 16: “الضمير هو المحكمة السرية لله في الإنسان”. هو شعور بعدم السلام والقلق، وهو صوت الروح القدس الذي “يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ” (يوحنا 16: 8).

2. التأنيب الظرفي – السماح بالفشل: كما حدث مع الابن الضال. لم يضربه الله، بل “أَسْلَمَهُ” لنتائج اختياره حتى اشتهى أن يأكل مع الخنازير (لوقا 15: 16). الفشل هنا ليس عقوبة، بل جرس إنذار.

3. التسليم النهائي – وهو أخطر قصاص في العهد الجديد: يكررها بولس ثلاث مرات: “أَسْلَمَهُمُ اللهُ” (رومية 1: 24، 26، 28). عندما يصر الإنسان إصراراً نهائياً على رفض الحب، لا يضربه الله، بل يحترم حريته بشكل مأساوي ويتركه لما اختار. أن تعيش بدون الله هو العقاب الحقيقي.

الخاتمة

  الله لا يرسل الزلازل ليهدم البيوت، بل يرسل أبناءه ليبنوا بيوتاً تحت الأنقاض. ولا يرسل المرض ليكسر الإنسان، بل يسمح أن ينكسر الإنسان أحياناً لعله يكتشف أخيراً أن هناك يداً أخرى كانت تحمله طوال الوقت.

وهنا نوصل للنقطة الرعوية الأهم: إذا كان المرض بحد ذاته ليس عقاباً مباشراً من الله، كما يعلمنا التعليم المسيحي فقرة 1505 والمجمع الفاتيكاني الثاني Gaudium et Spes فقرة 36*، فهو يبقى فرصة مقدسة.

  المريض المؤمن، وخاصة إذا كان على ضميره شيء، أو يعيش في خطيئة مصرّة، مدعو اليوم أن يرى في سرير المرض ليس صوت جلاد، بل صوت أب ينادي. الألم يكسر كبرياء الإنسان ويوقف ضجيج العالم، ويجعله يسمع صوت الضمير الذي هو المحكمة السرية لله في الإنسان (Gaudium et Spes فقرة 16).

  لهذا تعلمنا الكنيسة في القانون 987 و 988 §1 أن على المؤمن أن يعترف بخطاياه، وفي التعليم المسيحي فقرة 1502 أن المرض هو الوقت المناسب لسر مسحة المرضى والاعتراف. ليس لأنك مريض فأنت معاقب، بل لأنك مريض فأنت الآن مستعد أكثر من أي وقت لتسمع الحقيقة.

 إذا كنت خاطئاً وعلى ضميرك شيء، أصلحه الآن. ليس خوفاً من أن الله سيزيد مرضك، بل لأن الله أعطاك وقتاً ثميناً بين يديك، بعيداً عن مشاغل الحياة، لتعود. الاعتراف ليس دفع ثمن للشفاء الجسدي، بل هو شفاء الروح الذي هو أهم من الجسد. كثيرون شفوا من سرطان الروح على سرير مرض الجسد.

 وكما يقول القديس أوغسطينوس: “الله الذي خلقك بدونك، لا يخلصك بدونك”. الزلزال قد يهز الأرض، والمرض قد يهز الجسد، لكن التوبة هي وحدها التي تهز السماء.

  وكما وعد الرب نفسه: “اِرْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ” (ملاخي 3: 7)، فليكن هذا المرض أو هذا الزلزال الداخلي هو رجوعك. ولتكن مريم العذراء، أم الرحمة وشفاء المرضى، التي وقفت تحت الصليب ولم تهرب من الألم، هي من تأخذ بيدك إلى كرسي الاعتراف وتجعلك تحت كنف امنا الكنيسة، بشفاعتها وشفاعة جميع القديسين الذين عرفوا الألم فصار لهم طريقاً للمجد.

المراجع المعتمدة للنشر:
1. الكتاب المقدس.
2. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: فقرات 302-314، 385، 1500-1505.
3. القانون الكنسي: قانون 747، 752، 1311.
4. المجمع الفاتيكاني الثاني: Gaudium et Spes فقرة 16 و 36.
5. يوحنا بولس الثاني: رسالة Salvifici Doloris 1984.

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x