هل من الممكن الفصل بين إله العهد القديم والجديد؟ وهل يمكن رفض إله العهد القديم؟

هل من الممكن الفصل بين إله العهد القديم والجديد؟ وهل يمكن رفض إله العهد القديم؟

 

ظهر في الآونة الأخيرة بعض رجال الدين الذين ينادون بالتمييز بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد وعدم الاعتراف بإله العهد القديم كون هذا الإله بحسب آرائهم هو إله دموي، ذو شخصية بغيضة، غيورة، ظالمة، غير مسامحة، مهووسة بالسيطرة، مطهّرة عرقية، ثأريّة متعطّشة للدم، كارهة للنساء، عنصرية، قاتلة للأطفال، مبيدة جماعية، قاتلة للأب، مصابة بجنون العظمة، ساديّة – مازوشية، متقلّبة، متنمّرة، شريرة…

فبحسب معتقداتهم كيف يمكن أن يتشابه هكذا إله مع إله العهد الجديد المتمثل في شخص يسوع المسيح ذي الصفات المناقضة تمامًا سلامًا ومحبّة ورحمة وغفرانًا؟!

لابد من التنويه أن فكر فصل إله العهد القديم وإله العهد الجديد هو قديم يعود للحركة المرقيونية بالمشاركة مع أفكار الحركة الغنوصية. وكلا الحركتين اعتبرتا من الهرطقات.

 

ماهي الغنوصية؟

يقدم علم نشأة الكون الغنوصي عمومًا تمييزًا بين إله أعلى خفي وإله خبيث أصغر (يرتبط أحيانًا بإله الكتاب المقدس يهوه) المسؤول عن خلق الكون المادي. وبالتالي، اعتبر الغنوصيون الوجود المادي معيبًا أو شريرًا، واعتبروا أن العنصر الرئيسي للخلاص هو المعرفة المباشرة بالألوهية الخفية، والتي تتحقّق بالبصيرة الصوفية أو الباطنية. لا تتناول الكثير من النصوص الغنوصية مفاهيم الخطيئة والتوبة، بل تتناول مفاهيم الوهم والاستنارة.

 

ماهي المرقيونية ؟

المرقيونية: عقيدة مركبة من الغنوصية والثنائية والمسيحية جاء بها مرقيون (نحو 95- 160م) من سينوب بآسيا الصغرى، وكان مسيحياًً أرثوذكسياً، ولم يعجبه التعارض الواضح بين العهدين القديم والجديد، وكان والده أسقفاً، وقد كفّره والده لمّا رآه يجاهر بآراء تخالف المسيحية، وقد هبط مرقيون إلى روما نحو عام 140م، ولما شرع بتعليمها أقلق الرؤساء، فنشر رسالة يبين فيها معتقده، فكانت سبباً في فصله من الكنيسة وحرمانه وتكفيره سنة 144م متهمة إياه بالهرطقة فشايعته جماعته وتكاثرت، فأنشأ كنيسة انتشرت انتشاراً سريعاً في مناطق مسيحية عدة، وبلغت دعوته ذروتها في منتصف القرن الثاني الميلادي، ثم اضمحلت وامتصتها المانوية، وانتهت تقريباً في القرن الخامس.

والمرقيونية عقيدة تثبت أصلين قديمين متضادين أحدهما النور والثاني الظلمة وتثبت أصلاً ثالثاً هو المعدل الجامع وهو سبب المزاج، فالمتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع هو دون النور في المرتبة وفوق الظلمة.

 

تعليم المرقيونية؟

وينطلق مرقيون في تفكيره من مبدأ الفصل التام بين العهد القديم والعهد الجديد، فيؤسس لعقيدة مسيحية مستقلة عن التوراة تقوم على إنجيل لوقا فقط في شكله المشذب والمختصر من قبله، وعلى رسائل بولس الرسول، ذلك أن بولس ـ في رأي مرقيون ـ هو الذي فهم الإنجيل حق الفهم من دون بقية الرسل، بعد أن تجلى له المسيح على طريق دمشق، وأوكل إليه مهمة التبشير بالإنجيل الحقيقي، فعارض منذ البداية المسيحية اليهودية التي كان يرى أن بطرس وزملاءه يدعون إليها. ويرى مرقيون أن هذا العالم المادي الناقص والمليء بالشرور هو من صنع الإله يهوه، وأن إله العهد القديم هذا هو الذي خلق الإنسان وفرض عليه الشريعة، ولكن الإله يهوه ليس الإله الأعلى، بل إن هناك قوة شمولية عظمى تتمثل في الله الخفي، الأب الأعلى، إله المحبة. وقد شعر الأب الأعلى بالشفقة نحو الإنسان فأرسل ابنه المسيح في هيئة يسوع الناصري ليخلص البشرية. وهذا هو تجسيد للفكر الغنوصي.

ألّف مرقيون كتاباً أسماه «الأضداد» جمع فيه آيات متقابلة في حرفها؛ ليستنتج منها تغاير الإلهين والشريعتين، إله العهد الجديد إله المسيحيين، وهو الإله الأعلى، إله الخير والطيبة وخالق العالم المعقول، وإله العهد القديم إله اليهود، وهو إله العدل والثواب والعقاب وخالق العالم المادي المحسوس من مادة أزلية.

كان مرقيون شخصاً متعصباً ومتقشفاً، وطلب من أنصاره عدم أكل اللحم مكتفين بالسمك والخضار، وطالب فضلاً عن ذلك بالامتناع عن ممارسة الجنس، ومنع الزواج ليعجل في انقراض البشرية بأسرع ما يمكن، وكان يعترف بالعماد والقربان المقدس فقط، لكنه عمَّد فقط الرافضين الزواج، وإلا فإنه ينبغي تأجيل العمادة إلى اليوم الذي يعدّ فيه المرشح للعمادة مريضاً دنا أجله.

انتشرت المرقيونية في إيطاليا ومصر وسورية وفلسطين، وفي قبرص وبلاد فارس وأرمينيا وأماكن أخرى، وكان أتباعها يفتخرون منذ نهاية القرن الثاني بأن لديهم عدداً من الشهداء أكثر مما لدى «الكنيسة الكبيرة». وبعد نهاية القرن الرابع بدأت المرقيونية بالتراجع والاضمحلال حتى انتهت تقريباً في القرن الخامس الميلادي.

 

في الوقت الحالي ماذا يحدث؟

بعيدًا عن المركيونيّة، ثمة حركة داخل الكنيسة تدعو المسيحيين إلى “فكّ” ارتباطهم بالعهد القديم، فالعهد الجديد يحلّ مكانه. للأسف فإن هذه الحركة تتوغل بوتيرة متسارعة بين الكهنة والرعية على حد سواء مستغلة الجانب العاطفي للإنسان دون الفكر وخلق الأضداد بين الفكر السائد في العهد القديم وماهو سائد في العهد الجديد .

 

لماذا لا يمكن القبول بالتفكير المرقيوني ؟

أولا: لابد من سرد بعض الآيات التي هي كثيرة من العهد الجديد والتي تشير إلى أن إله العهد الجديد نفسه القديم:

1-  يشير يوحنا إلى يسوع بوصفه الكلمة، فيكتب: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان» (يوحنا 1: 1-3).

2- يكتب يوحنا: «الله لم يره أحد قط. الإله الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه» (يوحنا 1: 18).مغزى كلام يوحنا واضح: إله العهد القديم قد تجسد وعاش بيننا في شخص يسوع المسيح.

3- يؤكد بطرس أن يسوع “سُلِّمَ بحسب تدبير الله المُسبق وعلمه السابق” (أعمال الرسل ٢: ٢٣)، وأن “إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، إله آبائنا، مجّد عبده يسوع” (أعمال الرسل ٣: ١٣). “جميع وعود الله تجد “نعمها” في يسوع المسيح” (٢ كورنثوس ١: ٢٠).

4- “هو هو أمس واليوم وإلى الأبد” (عبرانيين 13: 8).

5-  «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا 8: 58).

ثانيا: الإله كامل وثابت في صفاته التي لاتتغير بمرور الزمن :

1- حب الله وحنانه وعطفه معلن في العهد القديم وأيضًا في العهد الجديد على السواء 

في العهد القديم: “أَحْبَبْتُكُمْ، قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: بِمَ أَحْبَبْتَنَا؟” (مل1: 2) وينتهي بقوله: “وَيَكُونُونَ لِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً، وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ.” ( مل3: 17).

في سفر يونان بكامله يظهر رحمة الله وقبوله للتائبين من شعوب الأمم غير اليهود.

في العهد الجديد: “تحنن يسوع”، “وبكى يسوع”، أو “أشفق على الجموع” ومثلما حدث مع زكا والسامرية .

حين قال المسيح: “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَبَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ” (إنجيل متَّى 44:5)
لم يأتِ بتعليم جديد هنا، بل كان يفسِّر ما جاء في العهد القديم: “لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَحَدِ أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، وَلَكِنْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَمَا تُحِبُّ نَفْسَكَ، فَأَنَا الرَّبُّ.” (سِفر اللَّاويِّين 18:19)
“إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ، فَإِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْراً عَلَى رَأْسِهِ، وَالرَّبُّ يُكَافِئُكَ.” (سِفر الأمثال 21:25-22)

2- الحزم في العهدين: على سبيل المثال يعطي الويل للكتبة والفريسيين المرائين، ويعلن خراب أورشليم وهو يبكي عليها في ذات الوقت حبًا في أهلها، ويعلن عن مجيئه الثاني المملوء مجدًا ليدين الأبرار الذين سيكونون عن يمينه فيقول لهم: “تعالوا إلي يا مباركي أبي رثوا”… بينما هو يجازي في ذات الوقت الأشرار ويقول لهم: “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية”.

وسجل غضب الله على بعض المنافقين أمثال حنانيا وسفيرة زوجته وأيضًا سيمون الساحر، وأيضًا في إصحاحات سفر الرؤيا سجل الوحي نبوات عن نهاية العالم وهلاك الأشرار كما هو مسجّل في أسفار دانيال وحزقيال ويوئيل

3- أسفار الشريعة في العهد القديم تُظهر الأحكام القضائية مثل الحكم على القاتل والسارق والمغتصب والزاني وذلك لأن الشريعة كانت تنظم حياتهم المدنية، وفي العهد الجديد غلّظ الرب العقوبة بعدما سكب نعمته ومحبته على المؤمنين بخصوص الغضب على الأخ قائلًا: “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (مت5: 22)، وصار من يبغض أخاه في مفهوم العهد الجديد قاتلًا بحسب قول الكتاب: “كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ” (1يو3: 15).

ثالثا: الفروقات بين العهد القديم والعهد الجديد:

فارق الفترات الزمنية بين العهدين يجعل العهد القديم يُظهر لنا ما كان يجب أن يكون، العهد الجديد.

فإله الكتاب المقدَّس أعلنَ عن نفسه بشكل تدريجي، ممهِّداً عبر ما سبق لما سيأتي، وموضِحاً بذلك لماذا أتى المسيح ولماذا صُلِب، وما هو الهدف من الملَكوت الرُّوحي حتَّى قبل أن يأتي ويُصلَب ويؤسِّس الملَكوت.

أراد الله أن تكون مشيئته مُعلَنة للنَّاس، وأن يجِدوا سبباً لكل ما آلَت إليه الأُمور، وأن يكتشفوا محبَّة الله بالمسيح عبر الفداء.

في العهد القديم نرى كيف كان الرَّب يؤدِّب الشُّعوب ببعضها، وقد استخدم الله شعبه في بعض الأحيان ليدين الشُّعوب الأُخرى، واستخدم أيضاً في أحيانٍ أًخرى شعباً آخر ليدين شعبه. صبرَ الله على الكنعانيِّين أكثر من 400 سنة وهم يقومون برَجاسات وتقديم ذبائح بشريَّة من الأطفال، لذلك من الغريب أن ندين الله لأنَّه أدانهم، فهو معطي الحياة وله الحق في أن يأخذها ويُنزِل قصاصه على الأشرار.

العهد القديم ليس كتاباً يأمر بالعنف، بل على العكس، وبالرَّغم من أنَّه يحتوي على أوامر بشَنّ بعض الحروب، إلَّا أنَّها ليست سوى دينونة من الله على تلك الشُّعوب.

المسيح أظهرَ محبَّة الله التي تجلَّت لشعبه في العهد القديم عبر العهود التي قطعها معهم بنعمةٍ منه، فهو أمر لا يستحقُّه النَّاس ولا يستطيعون الحصول عليه دون مبادرة الله. وكما يتحدَّث الله عن الدَّينونة (يوم الحساب) يتحدَّث المسيح أيضاً عن الدَّينونة الأخيرة بشكل مُكثَّف، مثل: (إنجيل متَّى 12:8، 28:10، 42:13، إنجيل لوقا 27:19).

الخلاصة

خلاصة الموضوع أنَّ لله غاية من العهد القديم ومن كل الحروب فيه، وأنَّه لم يكُن الخطَّة النِّهائيَّة للبشر، بل تمهيداً وتحضيراً للنَّاس لكي يؤمنوا. يقول بولُس الرَّسول:

“إِذَنْ، كَانَتِ الشَّرِيعَةُ هِيَ مُؤَدِّبُنَا حَتَّى مَجِيءِ الْمَسِيحِ، لِكَيْ نُبَرَّرَ عَلَى أَسَاسِ الإِيمَانِ.” (رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل غلاطية 24:3)

“أَقُولُ أَيْضاً مَادَامَ الْوَرِيثُ قَاصِراً، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ أَيُّ فَرْقٍ، مَعَ أَنَّهُ صَاحِبُ الإِرْثِ كُلِّهِ، بَلْ يَبْقَى خَاضِعاً لِلأَوْصِيَاءِ وَالْوُكَلاَءِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْفَتْرَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا أَبُوهُ. وَهذِهِ حَالُنَا نَحْنُ أَيْضاً: فَإِذْ كُنَّا قَاصِرِينَ، كُنَّا عَبِيداً لِمَبَادِىءِ الْعَالَمِ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ تَمَامُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ، وَقَدْ وُلِدَ مِنِ امْرَأَةٍ وَكَانَ خَاضِعاً لِلشَّرِيعَةِ، لِيُحَرِّرَ بِالْفِدَاءِ أُولئِكَ الْخَاضِعِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فَنَنَالَ جَمِيعاً مَقَامَ أَبْنَاءِ اللهِ.” (رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل غلاطية 1:4-5).

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x