القهوة للضيافة.. لا لمعرفة الغيب

القهوة للضيافة.. لا لمعرفة الغيب

في بيوتنا، فنجان القهوة ليس مجرد مشروب، بل هو علامةُ محبةٍ وبركةٍ وضيافة. رائحته تملأ البيت دفئاً، وتقديمه يقول: أهلاً وسهلاً. ولكن، متى تتحول هذه البركة إلى مصدر قلق؟ حين نكفّ عن رؤيته ضيافةً، ونبدأ برؤيته وسيلةً لمعرفة الغد.

أولاً: ماذا تسمي الكنيسة هذا الفعل؟

تُسمّي الكنيسة كل محاولة لمعرفة الغيب من غير الله عرافةً – Divination، وهي إخلال مباشر بالوصية الأولى: “لا يكن لك إله آخر أمامي” (خروج 20: 3).

فالأمر لا يتعلق باحتكار الله للمعرفة، بل بوضع وسيط – فنجان أو كف أو نجم – محل الله. وهنا ينتقل القلب من قول “الله أبي” إلى قول “الفنجان سيدي”.

يقول التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية بوضوح:
“يجب رفض جميع أشكال العرافة: اللجوء إلى الشيطان، واستحضار الأموات، وسائر الممارسات التي يُتوهم أنها تكشف المستقبل. إن استشارة المنجمين وقارئة الفنجان والكف والعرافين، هي منافية للاحترام والمحبة اللذين ندين بهما لله وحده” *(CCC 2116)*.

ثانياً: وهل في الأمر مزاح؟ وهنا لبّ الموضوع

ينقسم الناس في هذا الأمر إلى فئتين:

فئة تؤمن به حقاً: وهي تطلب معرفة المستقبل من مصدر غير الله، والكتاب واضح في هذا: “لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار، ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر” (تثنية 18: 10).

وفئة تمارسه على سبيل التسلية والضحك: وهنا يكمن الخطر الأكبر والأخفى. فإبليس لا يهتم إن كنت جاداً أم مازحاً، ما يهمه هو أن الباب قد فُتح.

كمن يفتح النافذة للبرد على سبيل المزاح، فالبرد سيدخل حقاً ويُمرض الأطفال.

يقول القديس باسيليوس الكبير: “إن الشيطان لا يحتاج إلى باب واسع ليدخل، تكفيه كوة صغيرة من التهاون”.

ويحذر القديس يوحنا الذهبي الفم: “لا تظن أن الخطيئة الصغيرة لا خطر فيها، فإن التهاون بها يجعلها كبيرة”.

ويؤكد القديس باييسيوس الآثوسي: “حتى لو مارست السحر والعرافة على سبيل التسلية، فأنت تعطي حقاً للشيطان في حياتك”.

ثالثاً: ما الخطر ولو كانت النية بريئة؟

1. خطر روحي – انتقال مصدر الأمان: يتوقف اللسان عن قول “لتكن مشيئتك يا رب” (متى 6: 10)، ويبدأ لا شعورياً بقول “ماذا يقول الفنجان؟”. فتنتقل الثقة من العناية الإلهية إلى الوهم.

2. خطر نفسي – زرع الخوف الوهمي: كم من كلمة قيلت مازحةً: “أرى لك طريقاً مسدوداً”، بقيت في ذهن فتاة أشهراً طويلة، فدمرت سلامها. هذا ما يسميه علم النفس النبوءة المحققة لذاتها، حيث يصدق الإنسان الكذبة فيعيشها.

3. خطر اجتماعي – هدم المحبة: “رأيت في الفنجان امرأة تكرهك”. بهذه الجملة تبدأ الشكوك بين الكنة وحماتها، وبين الجار وجاره، وتُهدم المحبة.

رابعاً: ما هو البديل المسيحي؟ إن عندنا ما هو أغنى

بدل أن نقلب الفنجان، لنقلب القلب نحو الله. فالكنيسة لم تتركنا فارغين:

– صلاة التسليم: وهي من أجمل الصلوات المسيحية: “يا يسوع، إني أسلم لك ذاتي، فاعتنِ أنت بكل شيء” (لخادم الله دوليندو روتولو). هذه هي قراءتنا الحقيقية للغد: الله يعتني.

– كلمة الله: بدل أن نبحث في خطوط القهوة، لنبحث في كلمة الإنجيل: “سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي” (مزمور 119: 105).

– المرافقة الروحية إن كان في القلب قلق من الغد، فلنذهب إلى أب الاعتراف، لا إلى قعر الفنجان. هناك نجد من يسمعنا ويصلي لأجلنا ويميز معنا.

خاتمة رعوية

لست أقول إن من تقرأ الفنجان إنسانة شريرة، حاشا. إنها أمنا وأختنا، وهي تفعل ذلك بحسن نية ومحبة كبيرة، وتقدم القهوة بكرم.

ولكن هذه المحبة الجميلة التي في القهوة، جميل أن تكتمل بصلاة. فبعد أن ننتهي من القهوة، لماذا لا نقول: “هيا نقرأ مزموراً معاً؟ هيا نصلي لأجل أولادنا؟”

إن الله وحده يعرف الغد، وهذا ليس أمراً مخيفاً، بل هو أمان لنا. لأن الذي يعرف الغد هو نفسه الذي قال: “ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 28: 20).

—
المراجع:
1. الكتاب المقدس – تثنية 18: 10-14
2. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية – الفقرات 2115-2117
3. القوانين الكنسية – مجمع اللاذقية (364م) القانون 36
4. القديس باسيليوس الكبير – العظة عن الحسد

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x