صور القدّيسين للتكريم والاقتداء، لا للترويج والتجارة

صور القدّيسين للتكريم والاقتداء، لا للترويج والتجارة

مقدمة:

إنّ وجوه القدّيسين، التي أشرقت بنور المسيح وتجلّت فيها نعمة الله، هي دعوةٌ إلى التأمّل في مجد الملكوت والاقتداء بسيرة الذين أرضوا الربّ بقداسة حياتهم.

فما كُرِّم إكرامًا لله لا يليق أن يُتَّخذ وسيلةً لمنفعةٍ زائلة، وما رُفع علامةً للإيمان لا ينبغي أن يُخضَع لمقاييس الربح والتجارة.

«لا تُعطوا الكلابَ ما هو مقدّس، ولا تُلقوا لؤلؤكم إلى الخنازير» (متّى ٧: ٦).

في زمنٍ تتزاحم فيه الصور على شاشات هواتفنا، وتتسابق المنشورات لجذب الأنظار واستقطاب المتابعين، باتت الحدود بين المقدّس واليوميّ، وبين الروحيّ والاستهلاكيّ، عرضةً للتداخل والالتباس. ففي لحظةٍ نتأمّل وجه قدّيسٍ أضاءت حياته بنور المسيح، وفي اللحظة التالية نجد أنفسنا أمام إعلانٍ تجاريّ عن أحذية أو ملابس أو سلعٍ تخضع لمنطق الأسعار والتخفيضات.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى تفصيلًا عابرًا في عالم التواصل الرقمي، لكنّه يطرح سؤالًا يتجاوز الشكل والمظهر ليلامس جوهر علاقتنا بالمقدّسات: هل يصحّ أن نضع الصورة التي تدعونا إلى الصلاة والتأمّل في السياق التسويقي نفسه الذي تُعرَض فيه البضائع؟ وهل يجوز أن تتحوّل وجوه القدّيسين، الذين شهدوا بحياتهم لأولوية الله، إلى وسيلةٍ لجذب الانتباه التجاري؟

إنّ القضية ليست اعتراضًا على التجارة المشروعة، ولا رفضًا لحضور الإيمان في حياتنا اليومية، بل هي دعوةٌ إلى التمييز الروحي بين ما يُقدَّم للشهادة لله وما يُقدَّم طلبًا للربح.

فالخطر الحقيقي يبدأ عندما نفقد هذا التمييز، ونُخضع ما هو مقدّس للمنطق الاستهلاكي، حتى يصبح الرمز الديني مجرّد صورةٍ بين آلاف الصور، وتُقاس قيمته بعدد المشاهدات والإعجابات بدلًا من رسالته الروحية.

أولًا: الصورة المقدّسة نافذةٌ إلى السماء، لا وسيلةٌ لجذب الأنظار

لم تنظر الكنيسة إلى الأيقونات والصور المقدّسة بوصفها عناصر تزيينية فحسب، بل رأت فيها وسائل منظورة تُوجّه المؤمن نحو حقائق الإيمان، وتُذكّره بحضور الله وعمل نعمته في حياة قدّيسيه.

يقول القدّيس باسيليوس الكبير:

«إنّ الكرامة المؤدّاة للصورة تنتقل إلى الأصل الذي تمثّله».

(في الروح القدس، الفصل ١٨، الفقرة ٤٥).

وهذا التعليم الذي استند إليه القدّيس يوحنّا الدمشقي في دفاعه عن الأيقونات يوضح أنّ تكريم الصورة لا يتوقّف عند الخشب والألوان، بل يتّجه إلى الشخص الذي تمثّله، مع بقاء العبادة لله وحده.

فالقدّيس الذي ننظر إلى صورته ليس مجرّد شخصيّة تاريخية نستحضر ملامحها، بل شاهدٌ للمسيح، وحياته دعوةٌ إلى التوبة والقداسة والاقتداء بالإنجيل.

ومن هنا، فإنّ احترام صورته لا ينفصل عن احترام الرسالة التي حملها.

فالصورة المقدّسة لا تستمدّ كرامتها من جمال ألوانها، ولا من كثرة انتشارها، بل من الحقيقة الروحية التي تشير إليها.

وعندما تُستعمل هذه الصورة لجذب المتابعين، ثم تُقرَن بعروضٍ تجارية، تصبح معرّضةً لفقدان وظيفتها الروحية، ويتحوّل ما وُضع ليقود النظر إلى الله إلى وسيلةٍ لاستقطاب المستهلك.

وما أعمق الفرق بين صورةٍ تدعو الإنسان إلى رفع قلبه نحو السماء، وصورةٍ تُستعمل لتوجيه اهتمامه نحو بضاعةٍ معروضة للبيع!

ثانيًا: حين يُخضَع المقدّس لمنطق المال

يقول الرب يسوع في إنجيل متّى:

«لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال» (متّى ٦: ٢٤).

لا يُدين المسيح المال في ذاته، ولا العمل الشريف أو التجارة، بل يحذّر من تحوّل المال إلى سيّدٍ يستعبد قلب الإنسان، ويجعله يقيس كلّ شيءٍ بمقدار ما يحقّقه من منفعة وربح.

وفي شرحه لهذا التعليم الإنجيلي، يبيّن القدّيس يوحنّا الذهبي الفم أنّ التعلّق بالمال قد يبلغ حدّ السيطرة على الإنسان، فيصرف قلبه عن خدمة الله.

(العظة الحادية والعشرون على إنجيل متّى).

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن نميّز بين أن يكون الإنسان مؤمنًا يمارس تجارته بضميرٍ مستقيم، وبين أن يستعمل المقدّسات أداةً في خدمة تجارته.

فليس الخطأ في أن يبيع المؤمن أحذيةً أو ملابس أو غيرها من السلع، بل في أن تصبح صور القدّيسين جزءًا من وسائله التسويقية، أو أن تُستغلّ العاطفة الدينية لاجتذاب الزبائن.

فالمال ينبغي أن يبقى في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان أسيرًا له، ولا أن تُسخَّر الرموز المقدّسة لخدمته.

إنّ القدّيسين، الذين شهدوا بأعمالهم وأقوالهم أنّ المسيح هو الكنز الحقيقي، لم يعيشوا لكي تتحوّل وجوههم إلى واجهاتٍ إعلانية.

لقد كانت حياتهم إعلانًا عن ملكوت الله، لا إعلانًا عن بضائع هذا العالم.

ثالثًا: ليس كلّ ما هو مباحٌ لائقًا بالمقدّسات

يقول الرسول بولس:

«كلّ شيءٍ يحلّ لي، ولكن ليس كلّ شيءٍ ينفع» (١ قورنتس ٦: ١٢).

إنّ هذه الكلمات تضع أمام ضميرنا المسيحي معيارًا يتجاوز السؤال عمّا هو مسموح أو ممنوع، إلى السؤال عمّا هو لائق ونافع وبنّاء.

فقد تسمح وسائل التواصل الاجتماعي بنشر أيّ صورةٍ إلى جانب أيّ إعلان، وقد لا توجد قاعدة تقنية تمنع الجمع بينهما، لكنّ الحرية التقنية لا تعني بالضرورة الملاءمة الروحية.

لقد شدّد القدّيس غريغوريوس الكبير على الدور التعليمي للصور المقدّسة، موضحًا أنّها تساعد المؤمنين، ولا سيّما الذين لا يعرفون القراءة، على التعرّف إلى أحداث الإيمان من خلال النظر.

(الرسائل، الكتاب التاسع، الرسالة ١٠٥ إلى الأسقف سيرينوس).

فالصورة المقدّسة، في هذا الفهم الآبائي، تحمل رسالةً وتتوجّه إلى قلب الإنسان وعقله.

ومن هنا يبرز السؤال: كيف نحافظ على رسالتها عندما نُدرجها في تسلسلٍ سريع من الإعلانات والصور التجارية؟

إنّ التكرار غير المدروس لهذا الخلط قد يجعل الإنسان يعتاد النظر إلى المقدّسات كما ينظر إلى البضائع، من دون أن يتوقّف عند معناها أو يصغي إلى دعوتها.

وهنا تكمن الخطورة: ألّا يعود المقدّس يوقظ فينا الدهشة، ولا وجه القدّيس يستدعي الصلاة، لأنّنا اعتدنا رؤيته مجرّد عنصرٍ عابر في سوق الصور.

فالابتذال لا يبدأ دائمًا من الرفض الصريح للمقدّسات، بل قد يبدأ من الاعتياد على التعامل معها بلا انتباهٍ إلى كرامتها.

رابعًا: القداسة لا تُقاس بالمشاهدات والإعجابات

يقول الرسول بولس:

«وليكن كلّ شيءٍ بأدبٍ ونظام» (١ قورنتس ١٤: ٤٠).

وإن كانت هذه الوصية قد وردت في سياق تنظيم حياة الجماعة وعبادتها، فإنّها تُلهمنا مبدأً روحيًّا في التعامل مع كلّ ما يتّصل بالإيمان: أن يُقدَّم بوقارٍ وتمييزٍ ومسؤولية.

إنّ وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون أداةً مباركة للبشارة، ونشر كلمة الله، والتعريف بحياة القدّيسين، وتشجيع المؤمنين على الصلاة لكنّ البشارة تفقد شيئًا من صفائها عندما تصبح خاضعةً لحسابات الانتشار والتفاعل، أو عندما يُستعمل المضمون الديني لجذب جمهورٍ يُراد توجيهه لاحقًا نحو الإعلانات التجارية.

فالقدّيس لا تزداد قداسته بازدياد الإعجابات على صورته، ولا تكتسب سيرته قيمتها من عدد المشاركات.

إنّ قيمة الشهادة المسيحية ليست في عدد الذين شاهدوا الصورة، بل في مقدار ما ساعدتهم على الاقتراب من الله.

ولهذا، فإنّ احترام الصور المقدّسة في العالم الرقمي يتطلّب وعيًا بطريقة تقديمها، وبالسياق الذي توضع فيه، وبالرسالة التي قد يفهمها المتلقّي من مجاورتها للمحتوى التجاري.

فليس كلّ ما يجذب العين يرفع القلب، وليس كلّ ما يزيد الانتشار يخدم الإنجيل.

خامسًا: مَن جعلوا السماء كنزهم لا ينبغي أن يتحوّلوا إلى أدواتٍ للسوق

يقول الرب يسوع:

«فحيث يكون كنزك، يكون قلبك» (متّى ٦: ٢١).

إنّ حياة القدّيسين هي الشرح العملي لهذه الحقيقة الإنجيلية.

فمنهم من ترك الغنى واختار الفقر الإنجيلي، ومنهم من عاش في المجتمع ومارس العمل والخدمة، لكنّهم جميعًا شهدوا أنّ قيمة الإنسان الحقيقية لا تكمن في ممتلكاته، بل في اتحاده بالله ومحبّته للآخرين.

ومن هنا، يكتسب استعمال صورهم في السياقات التجارية بُعدًا روحيًّا يستحقّ التأمّل.

فكيف نجعل صورة مَن اختار المسيح كنزه الحقيقي وسيلةً لجذب الانتباه إلى سلعٍ مادية؟ وكيف نقرن وجه مَن دعا إلى التجرّد بعروض الأسعار والتخفيضات، من غير أن نخاطر بتشويش الرسالة التي تحملها حياته؟

يقول الرسول بولس:

«ارغبوا في الأمور التي في العلى، لا في الأمور التي في الأرض» (قولسي ٣: ٢).

وهذه هي الدعوة التي ينبغي أن تبقى حاضرةً عندما ننظر إلى صور القدّيسين: أن نرفع فكرنا وقلبنا إلى ما هو أبقى من مقتنيات العالم.

وليس المقصود احتقار المادة، فالخليقة صالحة، والعمل الشريف ذو كرامة، بل المقصود ألّا نسمح للمادة بأن تحتلّ المكان الذي يخصّ الله في قلوبنا.

فالقدّيسون لم يتركوا لنا صورهم لكي نُزيّن بها سوق الاستهلاك، بل تركوا لنا شهادة حياتهم لكي نكتشف أنّ الإنسان خُلق لما هو أعظم من الاستهلاك والاقتناء.

سادسًا: نحو ضميرٍ رقميّ يحفظ حرمة المقدّسات

إنّ احترام الرموز المقدّسة لا يقتصر على عدم الإساءة إليها بالكلام، بل يشمل أيضًا طريقة تقديمها للناس.

فالصورة التي تُنشَر بقصد الصلاة والتأمّل تستحقّ سياقًا يحفظ رسالتها، ومساحةً تليق بكرامتها.

ومن هنا، تنبع الحاجة إلى الفصل الواضح بين المنشورات الروحية والإعلانات التجارية، ولا سيّما عندما يصدر الاثنان عن الشخص نفسه أو الصفحة نفسها.

فالأفضل ألّا تُستعمَل صورة القدّيس مدخلًا إلى عرضٍ تجاري، وألّا تُوضَع عمدًا في تصميمٍ ترويجيّ يجعلها جزءًا من الرسالة الإعلانية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بين الاستغلال المقصود للمقدّسات وبين التتابع العارض الذي تفرضه أحيانًا طبيعة المنصّات الرقمية؛ فلا يجوز أن نحكم على نيات الأشخاص لمجرّد ظهور منشورٍ ديني قبل إعلانٍ تجاري.

إنّ ما نحتاج إليه هو تربيةٌ على الحسّ الروحي، تجعلنا نسأل أنفسنا قبل النشر:

هل تحفظ هذه الصورة كرامة مَن تمثّله؟ وهل تساعد على الصلاة والتأمّل؟ وهل نقدّمها حبًّا بالقدّيس ورسالته، أم رغبةً في استثمار أثرها العاطفي والديني؟

فالاحترام الحقيقي للمقدّسات لا يظهر فقط في ما نقوله عنها، بل أيضًا في الطريقة التي نُظهرها بها للعالم.

خاتمة:

لا تجعلوا من وجوه القدّيسين جسورًا إلى السوق

إنّ العالم الرقمي، على اتّساعه وسرعته، لا ينبغي أن يسلبنا القدرة على التمييز بين المقدّس والعابر، وبين الشهادة الروحية والإعلان التجاري.

ولسنا هنا أمام دعوةٍ إلى إبعاد الدين عن الحياة، بل إلى عدم تحويل الدين إلى وسيلةٍ لجذب المستهلك.

فالتجارة لها مكانها المشروع، والإعلان له لغته وأدواته، أمّا الصورة المقدّسة فلها رسالةٌ تتجاوز البيع والشراء.

إنّنا مدعوّون إلى أن نحفظ للمقدّسات حرمتها، وللصور الدينية وقارها، ولحياة القدّيسين معناها الحقيقي.

فلا تجعلوا من وجوه القدّيسين جسورًا إلى السوق، بل دعوها تبقى نوافذَ مفتوحةً نحو السماء.

لا تستخدموا مَن عاشوا للمسيح أدواتٍ لجذب المستهلك، بل اجعلوا من سيرتهم دعوةً إلى اكتشاف الكنز الذي لا يفنى.

فالسلع تُعرَض لتُباع، أمّا صور القدّيسين فتُعرَض لكي نتذكّر مَن ينبغي أن نقتدي بهم.

والمال يُحصى بالأرقام، والأرباح تُقاس بالمبيعات، أمّا القداسة فلا تُشترى ولا تُباع، ولا تُوزَن بميزان السوق.

فلنحفظ للمقدّس هيبته، وللصورة رسالتها، وللإيمان صدقه، لأنّ ما يقود الإنسان إلى الله لا ينبغي أن يتحوّل إلى وسيلةٍ للمتاجرة بعاطفته الدينية.

فقداسة الرمز لا تُقاس بمنطق السوق، بل بكرامة مَن يشهد له، وبالحقيقة الروحية التي يدعونا إلى عيشها.

أيقونة شكراً لدعمكم أيقونة
استماع إلى المقال
1.00x